بقلم:جواد الكعابي
لم يعد ملف مغاربة العالم، خصوصاً الكفاءات العالية المندمجة في الحياة السياسية والمؤسساتية بأوروبا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، ملفاً قابلاً للتدبير بالأساليب التقليدية أو بمنطق الوصاية الإدارية. ما يجري اليوم يتجاوز سوء الفهم، ويدخل منطقة الخطر الاستراتيجي الصامت.
فهؤلاء المواطنون، الذين يشغل بعضهم مناصب عمداء، برلمانيين، مسؤولين حكوميين، ونقابيين نافذين، وأعضاء جمعيات أحزاب سياسية كبيرة، لم يعودوا مجرد “جالية” بل أصبحوا فاعلين داخل مراكز القرار في دول الاستقبال. ومع ذلك، ما تزال بعض الإدارات في بلدانهم الأصلية تتعامل معهم بمنطق التخويف، الشك، أو التقليل من شأنهم، وكأن الزمن لم يتغير.
من عدم الاحترام إلى الردّ القانوني المنظّم
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي دولة، ليس معارضة مواطنيها في الخارج، بل دفعهم دون قصد إلى التفكير في كسر قواعد اللعبة نفسها.
فعندما يشعر المسؤول أو المنتخب من أصول مغربية بأن مواطنته في بلده الثاني غير محمية بالكامل، اتفاقيات تسليم المطلوبين تُستعمل كسيف مُعلّق فوق رأسه، والنجاح السياسي يُقابل بالضغط بدل الاعتراف، فإن رد الفعل لن يكون عاطفياً، بل سياسياً وقانونياً منظّماً.
وهنا يجب قول الحقيقة بوضوح، أن استمرار هذا الأسلوب قد يدفع كفاءات مغاربة العالم، من داخل الأحزاب التي ينتمون إليها، إلى اقتراح مشاريع قوانين تهدف إلى كسر أو تعليق أو إلغاء اتفاقيات تسليم المواطنين لبلدانهم الأصلية، بل وقد يمتد الأمر إلى مراجعة اتفاقيات ثنائية أخرى تمس التعاون القضائي والأمني.
وهذا ليس تهديداً نظرياً، بل إمكانية واقعية في أنظمة ديمقراطية تسمح للمشرّع بإعادة تعريف علاقاته الدولية باسم السيادة وحماية المواطنين.
حين تنقلب المعادلة: من الاحتواء إلى الخسارة الشاملة
الخطير في هذا السيناريو ليس فقط فقدان أدوات قانونية، بل تدمير الثقة الاستراتيجية بين الدولة الأصلية وأبنائها في مواقع القرار بالخارج.
فبدل أن يكون هؤلاء جسوراً دبلوماسية، رافعة نفوذ ناعمة وخط دفاع سياسي غير معلن، قد يتحولون، بفعل سوء التدبير، إلى فاعلين محايدين أو حتى رافضين لأي منطق تعاون غير متوازن.
وهنا نسأل بواقعية سياسية، من المستفيد من دفع الكفاءات إلى هذا المنحدر؟ومن يتحمل مسؤولية تحويل رصيد استراتيجي إلى ملف نزاع قانوني وسياسي؟
المغرب وتجربة الإنذار المبكر
التجربة المغربية في عدد من الملفات الخارجية، خصوصاً في إفريقيا، أثبتت أن غياب الضمانات وسوء التنفيذ الإداري قادران على إفراغ التوجيهات الاستراتيجية من مضمونها.
تم لاحقاً اكتشاف أن مصالح ضيقة أفسدت اختيارات كبرى، ما قُدِّم كنجاح مضمون كان هشاً وهل بعض الفاعلين تصرفوا خارج منطق الدولة العميقة والمسؤولة.
فهل نعيد اليوم نفس الأخطاء مع مغاربة العالم؟
وهل ننتظر أن تنكشف الوقائع بعد فوات الأوان؟
رسالة واضحة للإدارة:لا تُديروا الخوف، أديروا الشراكة
يجب أن يكون الأمر واضحاً، ليس من حق أي إدارة في البلد الأم أن تُحسِّس الكفاءات الحقيقية بالخوف أو عدم الأمان أو الشك. هذا الأسلوب لا يخدم السيادة، ولا المصالح العليا، ولا حتى الأمن الاستراتيجي. بل يدفع مباشرة نحو منطق القطيعة القانونية بدل التعاون الذكي.
مغاربة العالم، بحكم اطلاعهم الدقيق على الأنظمة السياسية والقانونية في دول الاستقبال، يعرفون جيداً، متى يتحركون، كيف يشرّعون وبأي أدوات يكسرون اتفاقيات يعتبرونها غير عادلة أو غير متوازنة.
و كخلاصة، قبل أن ينتقل مغاربة العالم من الدفاع إلى الهجوم القانوني ما زال الوقت يسمح بالتصحيح.
لكن الاستمرار في تهميش الكفاءات والاستمرار في عداء الطاقات الحقيقية، قد يؤدي إلى نتيجة واحدة، هي انتقال مغاربة العالم من موقع الدفاع عن التوازن، إلى موقع الهجوم القانوني والسياسي لحماية أنفسهم ومواطنتهم الكاملة.
وعندها، لن ينفع الندم، لأن القوانين حين تُغيَّر، لا تُغيَّر بالعواطف، بل بالمصالح...
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك