بقلم:العلمي الحروني/منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد
تتناول الحلقة 8/1 التصعيد الأمريكي تجاه فنزويلا بوصفه جزءا من تحول أوسع في الممارسة الإمبريالية الأمريكية، حيث يعاد توظيف مبدأ مونرو في صيغته الإمبريالية الجديدة لتبرير اعتبار أمريكا اللاتينية مجالا حيويا حصريا وشرعنة العقوبات والضغوط ومحاولات تغيير الأنظمة، في سياق تراجع القدرة على إنتاج الهيمنة عبر الشرعية التقليدية. ويربط التحليل بين الحالة الفنزويلية وصعود قوى دولية منافسة، وعلى رأسها الصين، وما يرافق ذلك من انتقال أمريكي من منطق إدارة النظام الدولي إلى منطق إدارة التراجع، مع مناقشة ازدواجية الخطاب الغربي تجاه القانون الدولي، واستشراف ما إذا كان هذا المسار يشكل لحظة فاصلة قد تدفع قوى صاعدة، مثل دول "البريكس" ومنظمة شنغهاي، إلى إعادة صياغة تحالفاتها في مواجهة نظام دولي يتجه نحو مزيد من التشظي والتوتر.
تجدر الإشارة إلى مبدأ مونرو (Monroe Doctrine) بوصفه أحد أقدم وأهم مرتكزات السياسة الخارجية الأمريكية، المعلن سنة 1823 على لسان الرئيس جيمس مونرو، في سياق تاريخي صيغ تحت شعار "أمريكا للأمريكيين" بمعناه القاري الشامل. وقد قام هذا المبدأ على فكرتين أساسيتين: رفض أي تدخل أوروبي جديد في شؤون القارة الأمريكية، مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأوروبا، بهدف احتكار القوة والسيطرة داخل البيئة الإقليمية الحاضنة. وهو ما لخصته أرضية "تيار اليسار الجديد المتجدد" في القسم الثاني للمحور الأول حين أشارت إلى أن " تاريخ الولايات المتحدة الامريكية، كدولة وحضارة فتيتين عمرها قرنان، كانت تسعى خلال القرن التاسع عشر لاحتكار القوة في القارة الأمريكية حيث طردت منها القوى الأوروبية (الإسبان و البرتغال و فرنسا و ابريطانيا) واستفردت بالقارة، باستثناء الدول الضعيفة (كندا والمكسيك). تلك عقيدة الرئيس الامريكي جيمس مونرو (James Monroe) الذي لم يسمح للقوى الغربية في التواجد بالقارة الامريكية وأمريكا الشمالية، هذه كانت الخطوة الاولى لاحتكار القوة في الاقليم بعد ذلك التمدد في العالم". وهي الفكرة التي اختصرها جون ميرشايمر بقوله: "القرن الأول للاستفراد بالإقليم، والقرن الثاني للتمدد في العالم".
ورغم الصيغة الدفاعية الظاهرة للمبدأ، سرعان ما تحول تاريخيا إلى أداة لتبرير الهيمنة الأمريكية على أمريكا اللاتينية، وغطاء سياسي للتدخلات والانقلابات والاحتلالات غير المباشرة، خصوصا مع إضافة "مبدأ روزفلت" سنة 1904 الذي منح واشنطن حق "التدخل الوقائي". وباسم هذا الإرث، أُطيح بحكومات منتخبة، ودعمت انقلابات عسكرية، وفرضت أنظمة تابعة، ما جعل الذاكرة اللاتينية تنظر إلى مبدأ مونرو كعقيدة استعمارية مقنعة.
لقد أعاد الخطاب الأمريكي تجاه فنزويلا إحياء مبدأ مونرو بصيغته الحديثة التي تتجلى في "رفض أي نفوذ روسي أو صيني في المنطقة" و "اعتبار أمريكا اللاتينية "مجالا حيويا" خاصا، و "تبرير العقوبات والضغط وتغيير الأنظمة". لقد كان اختطاف رئيس فنزويلا محاولة جديدة لإثبات "أن القوة هي التي تعطي الحق" كما صرح ترامب. هكذا فإن محاولة إحياء نسخة إمبريالية من مبدأ مونرو تستهدف الصين لأنها الشريك التجاري الأكبر لمعظم أميركا اللاتينية ذلك أن الجزء الأساسي من المشكلة أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على منافسة الصين. ذلك ما تعكسه إحدى القرارات الأساسية للإدارة الأمريكية المتمثلة في التخلي عن أوروبا وتحويل قوة أمريكا نحو آسيا وخاصة النصف الغربي لهذه القارة ذلك بناء على عقيدة مونرو بهدف التركيز على التنين الصيني كمنافس حقيقي مهدد لها كما أكدت عليها المقالة الأولى تحت عنوان "الولايات المتحدة خارجة عن القانون".
وتعتمد فكرة "النفط المسروق" وما يرافقها من خطاب أخلاقي أمريكي على سردية قديمة وغامضة، طالما روج لها عقل وزارة الخارجية الأمريكية المنغمس في منطق مبدأ مونرو. إذ يكرر هذا العقل أن فنزويلا، قبل وصول هوغو تشافيز إلى الحكم سنة 1998، كانت من أكثر الدول ديمقراطية في أمريكا اللاتينية، وكأنها كانت نموذجا مثاليا للحكم الديمقراطي.
غير أن هذا الكلام يتجاهل عمدا حقيقة التاريخ السياسي الفنزويلي. ففنزويلا، المستعمرة الإسبانية منذ 1522، والمستقلة منذ 5 يوليو 1811 كأول دولة في أمريكا اللاتينية تعلن استقلالها، خضعت منذ عام 1958 إلى نظام تقاسم سلطوي دام أكثر من أربعة عقود، عرف بـ"ميثاق بونتوفيجو"، تناوب بموجبه حزبان أساسيان على الحكم: حزب العمل الديمقراطي (AD) (يسار الوسط)، والحزب الاجتماعي المسيحي (COPEI) (يمين الوسط) الذي أسسه الرئيس السابق رفائيل كالديرا.
وقد شكل الحزبان، رغم اختلاف تموقعهما الاسمي، جبهة سياسية واحدة معادية لليسار والتيار الماركسي، ومتحالفة بشكل كامل مع النهج النيوليبرالي، ومع الاستثمارات والشركات الأمريكية، خصوصا في قطاع النفط والموارد الطبيعية. ولم يكن هذا النظام يمثل سوى الطبقات العليا في المجتمع الفنزويلي، التي لا تتجاوز نسبتها 30 إلى 35% من السكان، في حين بقيت الأغلبية الشعبية، خاصة في البوادي والأحياء المهمشة، خارج اللعبة السياسية والانتخابية.
لقد مارست هذه النخبة الحزبية كل أشكال الاحتكار السياسي، وكانت على وفاق تام مع الولايات المتحدة، وهو ما يفسر الحنين الأمريكي الدائم إلى تلك المرحلة، ليس باعتبارها ديمقراطية حقيقية، وإنما باعتبارها مرحلة خضوع وظيفي كامل للمركز الإمبريالي، حيث كانت الثروة الوطنية تدار بما يخدم المصالح الأمريكية بعيدا عن السيادة الفنزويلية.
غير أن الفهم الدقيق لمبدأ مونرو، في معناه الجوهري، لا يتعلق بالتحكم المباشر في السياسات الداخلية لدول نصف الكرة الغربي، وإنما بمنع أي قوة عظمى بعيدة أوروبية أو آسيوية من إقامة تحالفات عسكرية أو نشر قوات عسكرية في هذا المجال الحيوي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، كما حدث في أزمة الصواريخ الكوبية. ووفق هذا المعنى الصارم، فإن الحالة الفنزويلية لا تندرج فعليا ضمن منطق مبدأ مونرو، إذ لا يوجد خطر حقيقي يتمثل في تحالف عسكري روسي أو صيني مع فنزويلا أو في نشر قوات أجنبية في المنطقة.
وعليه، فإن ما نشهده في فنزويلا أقرب إلى ممارسة إمبريالية تقليدية أو شكل من أشكال الاستعمار الجديد، تسعى من خلاله الولايات المتحدة إلى التحكم في القرار السياسي الداخلي، مدفوعة بهاجس السيطرة على الموارد، وفي مقدمتها النفط، كما عبر عن ذلك خطاب دونالد ترامب نفسه. هنا لا يتعلق الأمر بسياسة توازن قوى كبرى كما يفترض مبدأ مونرو، بل بمنطق "القوة هي التي تعطي الحق"، أي هيمنة مباشرة منفصلة تقريبا عن الأسس النظرية الأصلية لتلك العقيدة.
هكذا، وفق هذا التحليل، يبدو سيناريو التوجه الأمريكي الجديد بمثابة انتقال واضح من منطق إدارة النظام الدولي إلى منطق إدارة التراجع، والتركيز على حماية مصالحها المباشرة ومجالات نفوذها الحيوية. لأجل ذلك اعتمدت مقاربة جديدة صريحة تقوم على القوة والموارد والعقوبات والضغط الاقتصادي، مع أولوية للانكفاء النسبي عن الحروب الكبرى المفتوحة، مقابل تكثيف التدخلات الانتقائية وغير المكلفة. إن الولايات المتحدة، في هذا السيناريو، توظف الروح الرمزية لمبدأ مونرو لتبرير ممارسات أقرب إلى الإمبريالية المباشرة، عنوانها السيطرة على الموارد وضبط الهوامش ومنع الخصوم من تحويل مناطق بعينها إلى أوراق استراتيجية في مرحلة عالم متعدد الأقطاب.
يكشف موقف قادة ما يسمى بـ"تحالف الراغبين" الأوروبيين عن ازدواجية بنيوية في العقل الغربي، فبينما يحرصون ظاهريا على التمسك بميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي لإظهار استقلاليتهم وعدم خروجهم عن الشرعية الدولية، فإنهم عمليا يدعمون العدوان على فنزويلا باعتبارها دولة "خارجة عن النظام" وفق السردية الغربية المهيمنة. وقد عرى الصمت الأوروبي وغياب أي إدانة واضحة لإزاحة القائد الشرعي لفنزويلا، الطابع الميكيافيلي لهذا الخطاب الذي يوظف القانون كأداة انتقائية لا كمبدأ ملزم.
وفي استشراف ما يمكن أن تؤول إليه المواجهة المقبلة، يبرز سيناريو دفع هذا الاختلال المتزايد في موازين القوة دولَ مجموعة "البريكس" ومنظمة شنغهاي إلى التفكير الجدي في بلورة تحالفات أمنية وعسكرية، أو على الأقل صيغ دفاع مشترك، باعتبار أن استهداف دولة صغيرة كفنزويلا، رغم أنها ليست عضوا في البريكس، يشكل جرس إنذار واضح لبقية الدول الصاعدة حول طبيعة السلوك الإمبريالي الغربي في مرحلة التراجع.
ومن هذا الزاوية، يطرح سؤال جوهري نفسه: لماذا لم تلجأ الولايات المتحدة إلى استهداف دولة ضعيفة من داخل مجموعة البريكس نفسها، مثل إثيوبيا التي انضمت إلى المجموعة في فاتح يناير 2024، كما حدث تاريخيا في الحرب الإيطالية-الإثيوبية الثانية؟ إن الجواب الحاسم يكمن في العامل الجغرافي، حيث يشكل الموقع الاستراتيجي لفنزويلا داخل المجال الحيوي الأمريكي المحدد تاريخيا عنصر الحسم في هذا الاختيار، بما يؤشر على أن الصراع الإمبريالي القادم لن يدار وفق القواعد القديمة، بل وفق منطق جغرافي استراتيجي انتقائي يحدد ساحات الاشتباك وحدود التصعيد في عالم لم يعد يستجيب لمنظومة الهيمنة التقليدية. ( يتبع)
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك