أوروبا على صفيح ساخن واحتجاجات الغلاء والتعليم تشعل المواجهات في عدة دول

أوروبا على صفيح ساخن واحتجاجات الغلاء والتعليم تشعل المواجهات في عدة دول
دولية / السبت 31 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

تتسع دائرة الغضب الاجتماعي في عدد من الدول الأوروبية، بعدما خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع، اليوم السبت، للاحتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع جودة الخدمات التعليمية وسياسات الحكومات، في موجة جديدة من التحركات التي شهد بعضها مواجهات مع قوات الأمن، وسط استنفار أمني واسع تحسباً لتجدد أعمال العنف والاضطرابات.

وتكشف التحركات المتزامنة في فرنسا وألمانيا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا وألبانيا عن تنامي الضغوط الاجتماعية والسياسية التي تواجهها السلطات الأوروبية، خصوصاً في ظل تصاعد مطالب الشباب بتحسين ظروف العيش، وزيادة الإنفاق على التعليم والسكن، وتوفير فرص أفضل للأجيال الجديدة، في وقت تحاول فيه الحكومات احتواء الاحتجاجات ومنع تحولها إلى أعمال شغب واسعة.

وفي فرنسا، واصل المحتجون تحركاتهم للأسبوع الثالث على التوالي، بعدما شهدت العاصمة باريس ومدن أخرى مسيرات شارك فيها آلاف الأشخاص، وسط انتشار مكثف لقوات الأمن وقيود فرضتها السلطات على بعض التجمعات، خشية تكرار مشاهد العنف والنهب التي عرفتها مناطق مختلفة خلال الأسابيع الماضية.

وامتدت الاحتجاجات إلى مدن رئيسية، من بينها مارسيليا وتولوز وليون ونانت، حيث شارك طلاب المدارس الثانوية والجامعات إلى جانب نقابيين ومناصرين لحركة السترات الصفراء، في تحركات رفعت شعارات مرتبطة بالغلاء وتراجع الخدمات العمومية وصعوبات الولوج إلى التعليم الجامعي.

وسجلت مدينة ليون مواجهات بين الشرطة وعدد من المتظاهرين، وفق ما أفادت به تقارير ميدانية، في حين سعت السلطات إلى تطويق رقعة الاحتجاجات والحيلولة دون خروجها عن السيطرة، بعدما تحولت تحركات سابقة إلى أعمال عنف ألحقت أضراراً بالممتلكات وأدت إلى تدخلات أمنية واسعة.

وقدرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين في الاحتجاجات بمختلف أنحاء البلاد بنحو 15 ألف شخص، مشيرة إلى أن الأوضاع بقيت هادئة عموماً، رغم تسجيل توترات في بعض المواقع. وفي المقابل، دفعت السلطات بنحو 70 ألف عنصر أمن لتأمين المدن ومراقبة التجمعات، مع الإبقاء على قيود محلية وحظر تجول في مناطق محددة وفق الإجراءات المعلنة.

وأوقفت الشرطة الفرنسية 27 شخصاً منذ صباح السبت على خلفية الاحتجاجات، بحسب الأرقام الواردة في المعطيات المنشورة، مقابل 217 حالة توقيف سُجلت قبل أسبوع، وهو ما يعكس تراجعاً في عدد الموقوفين مقارنة بالموجة السابقة، دون أن يعني ذلك انتهاء حالة الاحتقان الاجتماعي.

وتصدرت قضايا التعليم جانباً مهماً من مطالب المحتجين، الذين نددوا بنقص المدرسين، وتدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، وتأخر إصلاح المباني المتضررة، إلى جانب اعتراضهم على نظام القبول الجامعي الذي يعتبره بعضهم غير منصف. كما طالب المشاركون باتخاذ تدابير أكثر فعالية للحد من ارتفاع الأسعار وحماية القدرة الشرائية للأسر.

وربطت قطاعات من المحتجين مطالبها الاجتماعية بالدفاع عن الحريات المدنية والحق في التظاهر، خصوصاً بعد المواجهات السابقة التي أسفرت عن إصابات واعتقالات. وكانت الكونفدرالية العامة للعمل وحركة السترات الصفراء قد دعتا إلى المشاركة في تحركات السبت، في وقت واصلت فيه السلطات تشديد التدابير الأمنية تحسباً لاندلاع اضطرابات جديدة.

وفي ألمانيا، انتقلت المطالب الاجتماعية إلى الشارع عبر تحركات شبابية نظمتها مبادرة تحمل اسم «جيل زد يتولى الأمر»، وشملت مدناً عدة، من بينها العاصمة برلين، حيث طالب المشاركون بتوجيه استثمارات أكبر إلى التعليم والسكن والعمل المناخي، إلى جانب رفض العودة إلى التجنيد الإجباري.

وعكست شهادات بعض الطلاب حجم المشكلات التي تواجه المؤسسات التعليمية الألمانية، إذ شددت الطالبة لارا برايتنباخ على ضرورة إعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي والتعليم، فيما لفتت الطالبة يانيلي شولتس إلى تدهور وضع مدرستها بسبب تسرب المياه من السقف ونقص المدرسين، في صورة تعكس اتساع الفجوة بين حاجات المؤسسات التعليمية والموارد المتاحة لها.

وعززت السلطات الألمانية وجودها الأمني في برلين بنشر نحو 1500 عنصر إضافي، بهدف تأمين التجمعات ومراقبة تطورات الوضع، في ظل تنامي الدعوات الشبابية المطالبة بتحسين الخدمات العامة وتخفيف الأعباء المعيشية.

أما في هولندا، فقد شهدت مدينة لاهاي إجراءات احترازية مشددة عقب انتشار دعوات للاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث كثفت الشرطة دورياتها وأخضعت مجموعات من الشبان للتفتيش والتحقق من هوياتهم، بالتزامن مع تدعيم واجهات عدد من المتاجر بألواح خشبية خشية تعرضها للتخريب أو النهب.

وأظهرت هذه التدابير حجم القلق الذي بات يرافق السلطات المحلية إزاء إمكانية انتقال الاضطرابات من منصات التواصل الاجتماعي إلى الشوارع، خصوصاً بعدما استدعت تجارب سابقة تعزيز الحماية الأمنية للممتلكات التجارية والمنشآت العامة تحسباً لاندلاع مواجهات مفاجئة.

وفي إسبانيا، رفعت الشرطة الكتالونية مستوى التأهب في برشلونة، على خلفية دعوات متداولة عبر منصة «تيك توك» للتجمع، نُسبت إلى شبكة تحمل اسم «بلوكوس». وجاءت هذه الإجراءات بعد اضطرابات شهدتها المدينة السبت الماضي، وأسفرت، وفق المعطيات الواردة، عن توقيف نحو 130 شخصاً، معظمهم من القاصرين.

وأعادت هذه التطورات تسليط الضوء على الدور الذي تؤديه منصات التواصل الاجتماعي في تعبئة الشباب وتنظيم التجمعات، في ظل صعوبة توقع حجم المشاركة أو طبيعة التحركات قبل وقوعها، وهو ما يدفع الأجهزة الأمنية إلى تشديد المراقبة والاستعداد للتعامل مع أي تصعيد محتمل.

وفي إيطاليا، رفعت الشرطة مستوى جاهزيتها عقب مواجهات شهدتها مدن ميلانو وتورينو وبولونيا، بالتزامن مع انتشار دعوات للتظاهر عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي في عدد من الدول الأوروبية، من بينها بلجيكا وهولندا والنمسا وسويسرا والبرتغال، بما يعكس اتساع نطاق التحركات وتداخل دوافعها الاجتماعية والسياسية.

وفي ألبانيا، اتخذت الاحتجاجات منحى أكثر عنفاً في العاصمة تيرانا، بعدما رشق متظاهرون ملثمون قوات الشرطة بالحجارة وأضرم بعضهم النار في حاويات للقمامة، خلال تحرك مناهض للحكومة طالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.

وبدأت التظاهرة أمام وزارة التربية والتعليم بصورة سلمية، قبل أن تتصاعد المواجهات مع تدخل مجموعات من الشبان ورشقهم عناصر الأمن بالحجارة، في مشهد يعكس انتقال الاحتجاجات من التعبير عن مطالب اجتماعية إلى صدامات مباشرة مع السلطات.

وتعود جذور جزء من التحركات الألبانية إلى احتجاجات انطلقت في مايو الماضي ضد مشروع لإنشاء فندق فاخر داخل محمية طبيعية، ارتبط، وفق المعطيات المنشورة، بعائلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. غير أن نطاق الاحتجاجات اتسع لاحقاً ليشمل اتهامات بالفساد وانتقادات لتدهور الخدمات الصحية وضعف الفرص المتاحة أمام الشباب.

وأعلنت السلطات الألبانية، يوم الجمعة، أن نحو 350 شخصاً أصيبوا منذ بداية الاحتجاجات، بينهم قرابة 200 من عناصر الشرطة، فيما بلغ عدد القاصرين الموقوفين 269 شخصاً، وفق الأرقام الواردة في التقرير. كما شددت الحكومة إجراءاتها لمواجهة أعمال العنف، وأقرت تدابير تتضمن غرامات مالية قد تصل إلى 5500 يورو بحق المتورطين في ارتكاب أعمال عنف خلال الاحتجاجات.

وتضع هذه التطورات المتزامنة الحكومات الأوروبية أمام اختبار صعب يجمع بين الحفاظ على الأمن العام وضمان الحق في الاحتجاج السلمي، خصوصاً أن المطالب المرفوعة لا تقتصر على قضايا ظرفية، بل تشمل ملفات تمس الحياة اليومية للمواطنين، من القدرة الشرائية والسكن إلى جودة التعليم والخدمات الصحية ومستقبل الشباب.

وبينما تراهن السلطات على الانتشار الأمني والقيود المفروضة على بعض التجمعات لاحتواء التوتر، تبرز الحاجة إلى معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي الغضب الشعبي، لأن الاكتفاء بالإجراءات الأمنية قد يحد من مظاهر الاضطراب مؤقتاً، لكنه لا يضمن معالجة جذور الأزمة أو منع تجدد الاحتجاجات في المستقبل.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك