أنتلجنسيا:أبو آلاء
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعدما قررت واشنطن توجيه ضربة مباشرة إلى أعلى هرم المؤسسة القضائية الدولية عبر فرض عقوبات على رئيسة المحكمة وعدد من مسؤوليها، في خطوة فجرت موجة غضب دولية وأعادت إلى الواجهة الصراع المحتدم حول حدود العدالة الدولية وسيادة الدول.
القرار الأمريكي استهدف القاضية اليابانية توموكو أكاني، رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب القاضي السنغالي عبد الله سي، نائب المدعي العام بالمحكمة، في إجراء اعتبره مراقبون أخطر تصعيد أمريكي ضد الهيئة القضائية الدولية منذ سنوات، خاصة أنه يطال شخصيات تتصدر ملفات حساسة تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وتضمن القرار تجميد أي أصول أو مصالح مالية للمستهدفين داخل الولايات المتحدة أو ضمن النظام المالي الأمريكي، فضلاً عن حظر أي معاملات مالية أو تجارية معهما عبر المؤسسات المرتبطة بالدولار، ما يمنح العقوبات بعداً عملياً يتجاوز الرمزية السياسية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق المواجهة المستمرة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية بسبب التحقيقات التي باشرتها الأخيرة بحق مسؤولين من دول لا تعترف باختصاصها القضائي، وعلى رأسها إسرائيل، إلى جانب ملفات أخرى أثارت توترات دولية واسعة خلال السنوات الأخيرة.
وتحولت توموكو أكاني إلى محور العاصفة الجديدة بعدما أصبحت أول رئيسة للمحكمة الجنائية الدولية تتعرض لعقوبات أمريكية مباشرة. وتكتسب مكانتها حساسية خاصة لكونها ارتبطت بملفات دولية بارزة، من بينها الدائرة القضائية التي أصدرت مذكرة التوقيف الشهيرة بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خلفية اتهامات مرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
أما عبد الله سي، فقد برز اسمه داخل فريق الادعاء الذي لعب دوراً أساسياً في طلب إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو الملف الذي فجر غضباً غير مسبوق داخل إسرائيل والولايات المتحدة معاً.
في المقابل، لم تتأخر ردود الفعل الدولية. فاليابان، الحليف الاستراتيجي لواشنطن وأحد أكبر الداعمين للمحكمة الجنائية الدولية، وصفت العقوبات بأنها "مؤسفة للغاية"، مؤكدة تمسكها بدعم المحكمة وجهودها في ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية وترسيخ مبدأ سيادة القانون على المستوى العالمي.
ويزداد الإحراج السياسي بالنسبة لطوكيو لأن المستهدفة الأولى بالعقوبات مواطنة يابانية وأول شخصية من بلادها تصل إلى رئاسة المحكمة الجنائية الدولية، ما وضع الحكومة اليابانية أمام معادلة دقيقة تجمع بين التحالف مع واشنطن والدفاع عن مؤسسة دولية تدعمها بقوة.
ومن جهتها، ردت المحكمة الجنائية الدولية بلهجة حادة، معتبرة أن العقوبات تمثل استهدافاً مباشراً لاستقلال القضاء الدولي ومحاولة للضغط على القضاة والمدعين العامين بسبب ممارستهم لمهامهم القانونية. وأكدت أن هذه الإجراءات تشكل تهديداً لسيادة القانون وتضرب أسس النظام القضائي الدولي.
وشددت المحكمة على أن الضغوط السياسية لن تمنعها من مواصلة عملها، مؤكدة تمسكها بالاستقلال والحياد ومواصلة الدفاع عن ضحايا الجرائم الدولية الكبرى، مهما كانت طبيعة التحديات التي تواجهها.
أما هولندا، الدولة التي تحتضن المحكمة في مدينة لاهاي، فقد انضمت إلى معسكر الرافضين للعقوبات، حيث أكدت أن المؤسسات القضائية الدولية يجب أن تعمل بحرية تامة بعيداً عن أي ضغوط أو إجراءات سياسية قد تؤثر على استقلاليتها.
في المقابل، استقبلت إسرائيل القرار الأمريكي بترحيب واسع، إذ سارع بنيامين نتنياهو إلى الإشادة بما وصفه بالموقف الحازم للإدارة الأمريكية في مواجهة ما تعتبره تل أبيب تجاوزات قانونية وسياسية من طرف المحكمة الجنائية الدولية.
ويأتي هذا الترحيب في ظل أزمة عميقة بين إسرائيل والمحكمة منذ إصدار مذكرات توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب على غزة، وهو القرار الذي أثار صدمة سياسية وقانونية داخل إسرائيل وأشعل خلافاً حاداً مع المحكمة.
وتتمسك واشنطن بموقفها التقليدي الرافض لأي محاولة من المحكمة لملاحقة مسؤولين أو مواطنين من دول لم تنضم إلى نظام روما الأساسي، معتبرة أن ذلك يشكل تجاوزاً للاختصاص القضائي واعتداءً على سيادة الدول.
وفي هذا السياق، هاجم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو المحكمة بشدة، واصفاً إياها بأنها مؤسسة "مسيسة وفاسدة"، ومتهماً مسؤوليها باستغلال صلاحياتهم القانونية لملاحقة حكومات لم تمنحها أي تفويض قضائي.
وتكشف هذه الأزمة عن صراع أعمق من مجرد عقوبات أو مذكرات توقيف، إذ تعكس معركة عالمية محتدمة حول مستقبل العدالة الدولية وحدود صلاحياتها في مواجهة الدول الكبرى. وبينما تصر المحكمة على أن ولايتها تشمل الجرائم المرتكبة داخل أراضي الدول الأعضاء حتى لو كان مرتكبوها من دول غير أعضاء، ترفض واشنطن وحلفاؤها هذا التفسير بشكل قاطع.
ومع اتساع دائرة التوتر بين القوى الكبرى والمؤسسات القضائية الدولية، تبدو المحكمة الجنائية الدولية أمام واحدة من أخطر المواجهات في تاريخها، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والدبلوماسية على مؤسسة أنشئت أساساً لملاحقة أخطر الجرائم التي تهدد الإنسانية، بغض النظر عن هوية مرتكبيها أو نفوذهم السياسي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك