مآلات الفرد الإسلامي بعد تراجع المشروع الحركي..دراسة مقارنة:المغرب ومصر(الحلقة5)

مآلات الفرد الإسلامي بعد تراجع المشروع الحركي..دراسة مقارنة:المغرب ومصر(الحلقة5)
تقارير / الإثنين 17 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

أسباب إضافية مستقلة عن الهزيمة الانتخابية: التطبيع مع إسرائيل وخلاف الإصلاح من الداخل

يجب التنبيه إلى أن اختزال أسباب الخروج من حزب العدالة والتنمية في صدمة الهزيمة الانتخابية لسنة 2021 وحدها يغفل مسارا سابقا ومستقلا نسبيا لموجة استقالات بدأت قبل تلك الهزيمة بأشهر، مرتبطة بأزمة أعمق حول هوية المشروع الحزبي ذاته: توقيع رئيس الحكومة آنذاك، الأمين العام سعد الدين العثماني، على إعلان استئناف العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2020.

فقد أعلن النائب البرلماني البارز المقرئ الإدريسي أبو زيد، في 18 يناير/كانون الثاني 2021، تجميد عضويته في الحزب احتجاجا على قرار التطبيع، واصفا إياه بأنه يتعارض مع البرنامج السياسي التأسيسي للحزب الذي كان يدعو صراحة إلى وقف كل أنواع التطبيع السري أو المعلن مع إسرائيل. تلته استقالات قيادية أخرى، أبرزها استقالة إدريس الأزمي في فبراير 2021، واستقالة عمدة الدار البيضاء عبد العزيز العمري من الأمانة العامة. وقد وصف الخبير المغربي في العلوم السياسية كريم عايش هذا التصدع بأنه (تجاوز للمشروع السياسي الذي على أساسه قام الحزب)، لا مجرد خلاف تكتيكي حول قرار حكومي عابر.

هذه الموجة تكشف عن نمط تصنيفي مختلف عما رصدناه في القسم 5.2: فهي لا ترتبط بالنمط الثاني (الودي-الفكري) الناتج عن هزيمة انتخابية لاحقة، بل تقترب أكثر من النمط الثامن في تصنيفنا (القطيعة مع المرجعية) بصيغته المخففة خروج بدافع الشعور بأن القيادة الحزبية فرطت في أحد الثوابت التأسيسية للمشروع (رفض التطبيع كموقف هوياتي لا سياسيا فقط)، لا بدافع فقدان الأمل في جدوى المشروع بأكمله. ويؤكد هذا التمييز حجة أساسية في هذه الدراسة أن التنظيم الواحد قد ينتج في وقت واحد أو متقارب أنماط خروج متعددة ومتمايزة السبب، لا موجة واحدة متجانسة.

إلى جانب أزمة التطبيع، تشير تغطيات لاحقة (2026) إلى استمرار نزيف الاستقالات الفردية على مستوى القواعد المحلية للحزب سنوات بعد هزيمة 2021 نفسها، من ذلك استقالة هشام الحسوني، الكاتب المحلي للحزب في مريسة، من كل هياكل الحزب، ما يوثق أن أزمة العدالة والتنمية لم تكن حدثا نمطيا واحدا (لا صدمة 2021 وحدها ولا أزمة التطبيع وحدها) بل مسارا تراكميا متعدد المحطات لا يزال مستمرا.  

دراسة الحالة المغربية الثانية: جماعة العدل والإحسان

تقدم جماعة العدل والإحسان -الحركة الإسلامية المغربية غير المرخصة (متسامح معها دون ترخيص قانوني) التي تقاطع المشاركة الانتخابية منذ تأسيسها سنة 1973 على يد الشيخ عبد السلام ياسين- حالة مغايرة نوعيا لحالة حزب العدالة والتنمية، لأن أزمتها ليست أزمة صناديق اقتراع بل أزمة سلطة كاريزماتية وأفق استراتيجي. فبنية الجماعة تقوم على مفهوم (الصحبة) الصوفي-الدعوي، أي الرابطة الشخصية والتربوية بين المريد والشيخ، وهو ما يجعل انتقال السلطة بعد غياب المؤسس تحديا وجوديا للتنظيم بأكمله لا مجرد استحقاق تنظيمي روتيني.

لحظة التحول: من الكاريزما الفردية إلى القيادة الجماعية (بعد 2012)

بعد وفاة عبد السلام ياسين سنة 2012، تولى محمد عبادي قيادة الجماعة بصفة الأمين العام، مع الاحتفاظ بلقب المرشد العام لمؤسسها الراحل حصريا، في مؤشر رمزي على استحالة تعويض الكاريزما الشخصية بمنصب مؤسسي مواز. ويرى المحلل المغربي إدريس الكنبوري أن صوت الجماعة (خفت بشكل كبير)بعد رحيل سي عبد السلام ياسين وأن إشعاعها تبدد، لأن الشيخ الراحل كان يجمع بين موقعي المرشد الروحي والمنظر الفكري بشكل يصعب توريثه مؤسسيا. هذا التراجع في الجاذبية الكاريزمية بعد غياب المؤسس هو بالضبط السياق البنيوي الذي يرجح فيه، وفق تصنيفنا النظري، بروز النمط السابع (الإحباط والانسحاب الكلي) إذ يفقد كثير من الأعضاء، وخصوصا جيل الشباب الذي انضم بدافع الانجذاب الشخصي للشيخ لا لبرنامج مؤسسي مجرد، الرابطة العاطفية التي كانت تبرر استمرار انتظارهم.

الانسحاب بدافع طول انتظار "المشروع" غير المتحقق 

خلافا لحزب العدالة والتنمية الذي يطرح برنامجا انتخابيا قصير المدى قابلا للتقييم كل أربع سنوات، تتبنى جماعة العدل والإحسان أفقا استراتيجيا بعيد المدى، هو ما تصفه أدبياتها بإقامة دولة القرآن أو الخلافة على منهاج النبوة، استنادا إلى الحديث النبوي الذي يقسم مسار الحكم إلى (نبوة، فخلافة، فملك عاض، فحكم جبري، فخلافة على منهاج النبوة)، وهو التصنيف الذي تستحضره الجماعة لتأطير المرحلة الراهنة بوصفها (حكما جبريا) يستوجب التغيير عبر أداة (تربية الإنسان) أولا. هذا الأفق لا يوفر لعضو الجماعة أي محطة تقييم وسيطة يقيس بها مدى تقدم المشروع فمنذ رحيل المرشد المؤسس عبد السلام ياسين، ظل هذا الفكر عند أتباع الجماعة، كما لاحظ أحد المعلقين بعد مرور تسع سنوات على وفاته، متجمدا لا يعاد النظر فيه ولا يقبل نقده، والتعامل المسموح به معه يقتصر على المدارسة والمناقشة والأخذ والرد لا على المراجعة الجوهرية. ويذهب أحد الكتاب إلى وصف الجماعة بأنها دخلت(حالة انتظار دائمة)، بل إن الانتظار تحول عندها بمرور الوقت إلى ما يشبه العقيدة التي تبرر بها استمرارها ووجودها، خصوصا أن الجماعة، بحسب هذا التحليل، تدرك صعوبة بل استحالة التغيير من الداخل في موازين القوى الحالية، فتفضل المكوث في هذا الانتظار على المجازفة بما هو قائم.

هذا النمط من الالتزام طويل المدى بلا مؤشرات إنجاز مرحلية هو تربة خصبة لما وصفته الأدبيات في سياقات أخرى بأنه إدراك متراكم للفجوة بين التوقعات المثالية للحركة وواقعها اليومي غير المتغير، وهي الآلية النفسية المحورية التي ترصدها أدبيات الانفكاك التنظيمي عموما كمحرك رئيسي للإحباط والانسحاب الصامت. ويربط بعض المحللين هذه الفجوة مباشرة بطبيعة الخطاب السياسي للجماعة نفسه.

شهادات متفرقة موثقة في منابر إعلامية وفي التعليقات على المقالات الصحفية المغربية تشير إلى أن عددا من الأعضاء السابقين -من دون توفر بيانات إحصائية رسمية موثوقة عن حجم هذه الظاهرة- يذكرون أن مغادرتهم جاءت بعد سنوات طويلة من الانتظار دون أفق واضح لتحقق المشروع، إلى جانب تحفظات على الانضباط بالمرجعية الشرعية للمنهج التربوي الصوفي للجماعة. وتتقاطع هذه التحفظات مع نقد خارجي، من تيارات سلفية بالأساس، يصف تدرج المنتسبين الجدد في درجات داخل المسار التربوي للجماعة، ويرى أن كل درجة من هذا التدرج تحمل معها ممارسات وتصورات عقدية تراها هذه التيارات مخالفة لما تعتبره العقيدة السنية الصحيحة -وهو نقد يستهدف تحديدا المرجعية الصوفية للمنهج التربوي لا التنظيم السياسي للجماعة. وبصرف النظر عن مدى دقة هذا النقد الخارجي، فإن تكرر الإشارة إليه في شهادات منشقين يوحي بأن الانضباط بشيخ التربية وسلم الترقي الروحي يشكل، إلى جانب طول انتظارالمشروع، أحد محوري التوتر الداخلي اللذين يقودان إلى الانسحاب الصامت من صفوف الجماعة.

الانسحاب بدافع الخلافات الداخلية: حالتا محمد البشيري وعيسى أشرقي

توفر إقالة عيسى أشرقي -أحد كبار قادة الجماعة ومسؤولها عن منطقة الشمال، وأحد من طرحت أسماؤهم كمرشحين محتملين لخلافة الشيخ ياسين- من مجلس الإرشاد (أعلى هيئة قيادية في الجماعة) حالة موثقة إعلاميا لخلاف داخلي حاد. وصفت صحيفة (العرب) اللندنية هذه الإقالة المفاجئة، بما حملته من (تصعيد كلامي)، بأنها تحمل (نذر انقسام داخل الجماعة) وتطرح (علامات استفهام عن مستقبل التنظيم).

هذه الحالة ليست الأولى من نوعها في تاريخ الجماعة: فقد سبقتها حالة محمد البشيري، الذي كان يوصف بأنه (الرجل الثاني) في الجماعة، والذي غادرها بعد خلاف مباشر مع مرشدها الشيخ ياسين نفسه، وفق ما توثقه تحليلات صحافة الرأي المغربية. وقد لاحظ بعض المعلقين على المنتديات الإلكترونية المغربية أن غياب البشيري عن قيادة الجماعة بعد وفاة ياسين، لصالح قيادة أقل (صرامة شرعية) في نظرهم، كان سيغير مسار الجماعة تماما لو آلت إليه القيادة. كلا الحالتين -أشرقي والبشيري- تقتربان من مزيج بين النمط الأول (الانقلابي العدائي، إذا صحت روايات عن خلاف حاد) والنمط الثالث (العضوية الاسمية المتصدعة من الداخل قبل الإعلان)، وتظهران أن الخلافات حول الشرعية القيادية -سواء في حياة المؤسس أو بعد غيابه- يمكن أن تكون محركا مستقلا للخروج لا يقل أهمية عن الخلاف الأيديولوجي الكبير حول (الأسئلة الكبرى).

. القيادة الحالية زاغت عن نهج الشيخ: نزعة شرعية محافظة داخل قواعد الجماعة

يطرح جزء من قواعد جماعة العدل والإحسان -وفق ما ترصده تعليقات وتحليلات متفرقة في الصحافة المغربية أكثر من دراسات ميدانية منهجية- نقدا من نوع مختلف تماما عن نقد طول الانتظار نقد شرعية-محافظ مفاده أن القيادة الحالية للجماعة (بقيادة الأمين العام محمد عبادي) زاغت عن نهج المؤسس الشيخ عبد السلام ياسين، بدل أن تكون وريثة أمينة له. لا يتعلق هذا النقد بالضرورة بغياب الإنجاز -كما في نمط الإحباط- بل بإحساس هوياتي بأن جوهر (المشروع) الذي التزم به العضو أصلا قد تغير من تحته دون موافقته.

يستند هذا النقد إلى عدة مؤشرات يطرحها المتحفظون: أولا، الغموض الذي لازم موقف الجماعة من طبيعة النظام السياسي المنشود حتى في حياة المؤسس نفسه، إذ لاحظ محللون أن الشيخ ياسين بعث في مناسبة رسالة نصح إلى الملك تحمل ضمنياً قبولاً بالنظام الملكي مع ملاحظات على أدائه، بينما جهرت ابنته الناطقة باسم الجماعة آنذاك نادية ياسين برأي مغاير يفضل النظام الجمهوري، دون أن تصدر القيادة توضيحا رسميا موحدا - وهو غموض ورثته القيادة الحالية ولم تحسمه. ثانيا وهو الأهم عمليا: وثيقة 2024 السياسية التي سنعرضها بالتفصيل في القسم 6.6 (أدناه)، والتي تخلت ضمنيا عن معارضة إمارة المؤمنين والملكية الوراثية -وهما موقفان متلازمان مع اسم الشيخ ياسين شخصيا منذ رسالته الشهيرة الإسلام أو الطوفان إلى الملك الحسن الثاني سنة 1974- يراها المتحفظون تنازلا عن أحد الثوابت التي ُني عليها المشروع التأسيسي بأكمله، لا مجرد تكتيك سياسي مرحلي.

هذا النمط من النقد ينتج نوعين متمايزين من الأفراد: من يبقى داخل الجماعة لكنه يتحول إلى معارضة داخلية صامتة لقيادتها الحالية (اقتراب من النمط الثالث، العضوية الاسمية)، ومن يخرج فعلا بدافع اعتبار القيادة الحالية قد (خانت) الأمانة الفكرية للمؤسس (اقتراب من النمط الثامن، القطيعة مع المرجعية، وإن كانت هنا قطيعة مع تأويل القيادة الحالية للمرجعية لا مع المرجعية الدينية-الصوفية ذاتها). وهذا يفرق هذه الحالة بوضوح عن حالة أزمة التطبيع داخل حزب العدالة والتنمية فبينما اتهمت قيادة العدالة والتنمية بالتفريط في موقف سياسي معلن (رفض التطبيع)، تتهم قيادة العدل والإحسان في هذا الخطاب بالتفريط في مرجعية شرعية-عقدية شخصية مرتبطة بذات المؤسس، وهو اتهام أعمق أثرا على الهوية الفردية للعضو لأنه يمس رابطة (الصحبة) ذاتها لا مجرد موقف سياسي قابل للمراجعة.

عامل مضاعِف: الضغط الرسمي كحافز غير طوعي للخروج

لا يمكن فصل بعض حالات الانسحاب عن جماعة العدل والإحسان عن سياق ضغط رسمي مباشر ففي فبراير/شباط 2017، أعفت مؤسسات حكومية مغربية نحو 130 عضوا من الجماعة من مناصب المسؤولية التي كانوا يشغلونها في قطاعات مختلفة، أبرزها وزارة التعليم، دون توضيح رسمي لأسباب القرار، إضافة إلى فصل أئمة تابعين للجماعة من عدة مساجد. هذا النمط من الإخراج القسري من المؤسسات يختلف جوهريا عن الأنماط الثمانية المقترحة في هذه الدراسة، لأنه ليس قرارا فرديا بالانفكاك بل إجراء مفروض من خارج التنظيم، لكنه قد يتقاطع مع الأنماط الفردية حين يدفع الأفراد المتضررين إلى إعادة تقييم جدوى استمرار انتمائهم أصلا، وهو ما يستدعي تمييزا منهجيا دقيقا بين الخروج المقرر ذاتيا والخروج المفروض من سلطة خارجية عند تصنيف أي حالة ميدانية مستقبلية.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك