أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
قبل بضع سنوات، شعرت صحفيتان شابتان من كولومبيا، هما: فاليري سيفوينتيس مارتينيز، وماريا كاميلا غونزاليس، بالكثير من القلق إزاء تزايد ديون بلدهما. وقد ازداد قلقهما بشكل خاص نظراً لجهل الناخبين الواضح بالخيارات المتاحة، لذا فقد أطلقتا منصة إعلامية متعددة الوسائط بعنوان «اقتصاد الشعب» لتوعية الناخبين، لا سيما جيل الألفية، بسياسة الديون وتداعياتها. وقالت سيفوينتيس أخيراً لمسؤولين ماليين من مختلف أنحاء العالم في اجتماع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: «نحن بحاجة إلى تغيير أسلوب التواصل» بخصوص هذه القضايا شديدة الأهمية.
وبالفعل، ينبغي على الحكومات والمستثمرين الانتباه جيداً للأمر، فكما أفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الأسبوع، من المتوقع أن يصل متوسط أعباء الدين الوطني الأمريكي إلى مستوى قياسي يبلغ 113% أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل، وسيزداد الوضع سوءاً إذا ما ظهر «سيناريو قاتم» يتمثل في انخفاض النمو وارتفاع أسعار الفائدة نتيجة للحرب الطويلة في الشرق الأوسط.
وقد تمكنت بعض الدول، مثل البرتغال، من خفض نسبة هذه الديون أخيراً، لكن معظم الدول لم تفعل ذلك. والآن، يقع الكثيرون في دوامة مفرغة، فالشعبوية المتصاعدة والاستقطاب يصعّبان على السياسيين فرض إصلاحات لا تحظى بشعبية، لكن هذا يفاقم الأمور، لأن الأزمات المالية والمعاناة الاقتصادية تقوّض ثقة الجمهور. وكما أشار تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول التواصل المالي: «يُطلب من الحكومات إدارة المخاطر المالية طويلة الأجل في بيئة تتضاءل فيها ثقة الجمهور واستعداد الناس لتقبل التنازلات».
إذن، ما الذي ينبغي على الحكومات فعله؟ أظن أن هذا المأزق أصبح الآن شديد الخطورة، لدرجة أن البعض سيقرر في نهاية المطاف أن الحل يكمن إما في التسامح مع التضخم المرتفع (لتقليل الدين الاسمي)، أو فرض حالات تعثر انتقائية، أو تبنّي «القمع المالي» (إبقاء أسعار فائدة السندات دون معدل التضخم لخفض الدين تدريجياً على حساب حاملي السندات).
وتقول الخبيرة الاقتصادية كارمن راينهارت إن المسار الأخير هو الذي ساعد الحكومتين الأمريكية والبريطانية على خفض ديونهما الهائلة بعد الحرب العالمية الثانية. وقد يكون تكرار هذه المسار اليوم صعباً، نظراً لأن القمع المالي لا يمكن أن ينجح إلا بوجود ضوابط على رأس المال والوضع المالي. لكن قد يرغب السياسيون في تجربة هذا النهج، إذ من شأنه توزيع الأعباء المالية على مستثمري السندات، وبالتالي يكون أقل وضوحاً للناخبين الغاضبين مقارنة، على سبيل المثال، بتخفيضات الميزانية.
ومع ذلك، وبغض النظر عن مزايا القمع المالي، فمن غير المرجح أن يقوم أي بنك مركزي أو خبير اقتصادي بارز بالضغط من أجل مثل هذه السياسات في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، تحث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الحكومات على خفض الديون بطرق أكثر تقليدية، من خلال تبني تخفيضات الميزانية، ورفع الضرائب، وإصلاحات الإنتاجية التي تعزز النمو.
كما تحثها على الاعتراف بالعقبات السياسية التي تعترض سبيل التعامل مع الديون ومعالجتها، وذلك بالسعي الحثيث لكسب تأييد الناخبين وزيادة فهمهم لضرورة هذه الإجراءات، إذ «لا تزال القواعد والمؤسسات المصممة جيداً ضرورية للاستدامة المالية، لكنها لم تعد كافية»، لذلك يعتبر تحسين التواصل مهماً للغاية في عالم شعبوي. وعملياً، ترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن على الحكومات اتخاذ أربع خطوات:
* تبسيط مفهوم الميزانية للسياسيين.
* التواصل بوضوح أكبر مع الجمهور.
* منح المواطنين صوتاً حقيقياً في السياسة المالية.
* إشراك الهيئات المدنية لتكون مناصرة للسياسة المالية.
وقد بدأ هذا بالفعل. وتُعد منظمة «الاقتصاد من أجل الشعب» مثالاً على ذلك. كما تمارس منظمة غير ربحية تدعى «شراكة الميزانية الدولية» ضغوطاً على الحكومات لتعزيز المساءلة من خلال إصدار مؤشر يقيّمها بناء على الشفافية، ويركّز حالياً بشكل أساسي على دول الجنوب العالمي. ويُظهر هذا المؤشر أن البرازيل، على سبيل المثال، تحقق أداء جيداً، بينما لا تحقق بوليفيا ذلك.
وظهرت أفكار أخرى خلال جلسة للعصف الذهني عقدتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الأسبوع بين وزراء المالية، منها: استخدام منصات التواصل الاجتماعي، مثل إنستغرام، لشرح مفهوم الدين؛ وتبنّي استعارات بسيطة، مثل ميزانية الأسرة، لشرح الخيارات المالية. وقد استخدمت مارغريت تاتشر هذا الأمر. كما تم استخدامه مجدداً هذا الأسبوع على قناة «بي بي سي» من قِبل السير هوارد ديفيز، الرئيس السابق لهيئة الرقابة المالية في المملكة المتحدة.
وحث أندرو ديلنوت، الرئيس السابق لمعهد الدراسات المالية، الحكومات على تقليل الوقت المستغرق في الحديث عن قضايا مجرّدة مثل نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي والقواعد المالية، والتركيز بدلاً من ذلك على شرح كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب بدقة كأولوية قصوى.
وفي نهاية المطاف، لا يملك معظم الناخبين أي فكرة عن ماهية القاعدة المالية. لكن كما يتضح من تجربة دولة مثل سويسرا، بنظامها المالي القائم على الكانتونات، فإنه عندما يفهم الناخبون حقاً كيفية تحصيل الإيرادات وإنفاقها، ويستطيعون التصويت عليها، فإنهم يميلون إلى أن يصبحوا أكثر حذراً، ويسعون جاهدين من جانبهم لكبح جماح الدين.
في كل الأحوال، يُعد هذا الموضوع بالغ الحساسية، لكن الحقيقة المؤسفة هي أن البشر بارعون تماماً في تجاهل الأخبار السيئة بشكل انتقائي، لذا يبدو من غير المرجح أن تنجح أفكار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دون عنصر آخر، هو ضغط سوق السندات، ففي نهاية المطاف، لم يتبنَّ الناخبون والسياسيون في البرتغال، على سبيل المثال، إجراءات جذرية لخفض الدين إلا بعد أزمة سوقية.
لذا ربما ينبغي على المستثمرين الآن أن يتمنوا حدوث ما يشبه «أزمة مثالية»؛موجة من اضطرابات سوق السندات تكون كافية لأن تظهر للناخبين أهمية ضبط الأوضاع المالية، لكنها في الوقت نفسه لا تكون كبيرة لدرجة أن تدمر النظام المالي والاقتصاد. ومع ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل حالياً، قد تحدث هذه الأزمة.
هل من السخرية تمنّي حدوث مثل هذه الصدمة؟ نعم، ولكن ما لم تعمم مبادرات مثل «اقتصاد الشعب» على نطاق واسع، فسيكون هذا هو السبيل الوحيد لتركيز الجهود، والأفضل أن يكون ذلك قبل أن نواجه انفجاراً كارثياً للديون.
المصدر:فايننشال تايمز
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك