أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
على مدى أكثر من عقدين، اتجهت الهند نحو الولايات المتحدة، مستجيبة لإغراءات بناء شراكة مع واشنطن شملت مجالات واسعة، من الطاقة النووية إلى التكنولوجيا والدفاع.
لكن الآن، وبينما تسعى نيودلهي إلى وضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل اتفاقية تجارية مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، فإنها تسعى في الوقت نفسه إلى تنويع رهاناتها.
فقد أثارت السياسات المتقلبة للرئيس الأمريكي الكثير من القلق بحكومة ناريندرا مودي. وكان رد الهند هو تسريع وتيرة تعميق علاقاتها مع «القوى المتوسطة» - دول مثل اليابان والبرازيل وكندا - بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي أبرمت معه الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم اتفاقية تجارة حرة طال انتظارها.
أعلن مودي أن اتفاقية الاتحاد الأوروبي ستعزز الاستقرار في النظام الدولي في وقت يشهد فيه النظام العالمي اضطرابات عميقة.
وخلال زيارتها لنيودلهي، أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بالاتفاقية ووصفتها بأنها «أم الاتفاقيات».
لكن في الواقع، جاءت الاتفاقية كرد فعل على الضغوط التي مارسها ترامب على كل من نيودلهي وبروكسل. ويواجه الاتحاد الأوروبي تهديدات بالاستحواذ على غرينلاند، وتراجع دعم ترامب لأوكرانيا.
كما تشهد الهند مواجهة حادة مع البيت الأبيض طوال معظم فترة ولاية ترامب الثانية، ويرزح مصدروها تحت وطأة التعريفة الجمركية البالغة 50% التي فرضتها واشنطن في نهاية أغسطس لإجبار الهند على خفض مشترياتها من النفط الروسي.
وحتى رفض المحكمة العليا الأمريكية لمعظم تعريفات ترامب الأسبوع الماضي لم يُخفف من حدة الوضع، بل زاد من حالة عدم اليقين.
ورداً على سؤالٍ مُحدد حول تأثير قرار المحكمة على اتفاقية تجارية مبدئية مع الهند، تم التوصل إليها قبل أسابيع قليلة، قال ترامب: «لن يتغير شيء، سيدفعون الرسوم الجمركية، ولن ندفعها نحن».
لذلك، تسعى الهند الآن إلى تنويع خياراتها من خلال تعزيز علاقاتها مع قوى أصغر حجماً وأكثر تعاوناً. يُعدّ مصطلح «المرونة» رائجاً في نيودلهي حالياً.
حيث تتطلع الهند إلى تعميق علاقاتها مع مجموعة كبيرة من الدول خاصة الإمارات واليابان وكندا والبرازيل والاتحاد الأوروبي، في ما يصفه المحللون بأنه رد فعل مباشر على تقلبات الإدارة الأمريكية.
تعمل حكومة مودي بهدوء على بناء ما يسميه براميت بال تشودري، رئيس قسم جنوب آسيا في مجموعة أوراسيا، «شبكة من المرونة المستقلة عن القوى العظمى».
ويقول تشودري: «لعقود، كانت الهند من أشد المدافعين عن عالم متعدد الأقطاب، ودافعت عن هذا المفهوم كحل نظري للهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة والصين. واليوم، تواجه نيودلهي تحدياً كبيراً يتمثل في تطبيق هذا الخطاب عملياً ضمن واقع عالمي بات يواكب طموحاتها».
وبينما يؤكد المحللون أن سعي الهند لتكوين شراكات مع دول ذات توجهات مماثلة يعود لعقود مضت، ولا يعني بالضرورة تحولاً صريحاً عن الولايات المتحدة، إلا أنها كثفت جهودها بشكل ملحوظ في ظل رئيس أمريكي مستعد للتخلي عن القواعد التقليدية للعلاقات الدولية.
يقول براهمة تشيلاني، المتخصص في الشؤون الخارجية، في إشارة إلى الولايات المتحدة والصين: «تتبنى الهند «نهجاً ثالثاً» من خلال بناء شبكة من الشراكات بين قوى متوسطة توفر الاستقرار دون تقلبات مجموعة الدولتين.
ويشمل ذلك إعادة تموضع الاتحاد الأوروبي باعتباره الركيزة الاقتصادية والتكنولوجية الأكثر استقراراً، والتي تأمل من خلالها بناء سلاسل إمداد لا تعتمد على أمريكا ولا تهيمن عليها الصين».
بل إن الهند وافقت على تخفيف محدود للقيود المفروضة على التأشيرات واستئناف الرحلات الجوية المباشرة مع الصين. وتُعدّ هذه المحاولة لتحسين العلاقات ذات أهمية بالغة بالنسبة للعملاقين الآسيويين المتنافسين، اللذين خاضت قواتهما آخر معارك على طول حدودهما المتنازع عليها في عام 2020، في اشتباكات أسفرت عن مقتل 24 شخصاً على الأقل. وتقول نيروباما راو، وزيرة الخارجية الهندية السابقة:
«إن الهند تُرسّخ جغرافيا اقتصادية أكثر استقلالية. إنها تُشيّد شبكة، وُتعزّز تدريجياً قدراتها على مواجهة عدم إمكانية التنبؤ بتصرفات الولايات المتحدة والإكراه الصيني».
وبينما كان مودي وفون دير لاين يرتديان أوشحة حريرية أمام عدسات الكاميرات في نيودلهي احتفالاً بتوقيع اتفاقية التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي، كانت المفاوضات التجارية مع البيت الأبيض، التي تعثرت لشهور، تقترب أخيراً من نهايتها.
وكان مشروع اتفاقية مع الولايات المتحدة، أكبر شريك تجاري للهند، مطروحاً للنقاش ومُغلقاً أمام التوقيع منذ منتصف عام 2025.
وبشكل عام، وافقت دلهي على خفض تعريفاتها الجمركية على معظم السلع الصناعية الأمريكية مقابل استثناء من المنافسة الأمريكية في أسواقها الضخمة والمحمية من الحبوب ومنتجات الألبان. إلا أن التوصل إلى اتفاق ظل بعيد المنال حتى مطلع هذا العام وسط خلافات حادة حول عدة قضايا.
وقد تفاخر ترامب بأنه توسط في وقف إطلاق النار في النزاع العسكري القصير الذي نشب العام الماضي بين الهند وباكستان، وهو ادعاء نفته حكومة مودي بشدة.
وكانت الأمور بلغت ذروتها في أغسطس، عندما ضاعف ترامب الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارته على الصادرات الهندية من 25% إلى 50%، في محاولة لثني نيودلهي عن مساعدة روسيا في حربها بأوكرانيا عبر شراء نفطها. شكل قرار ترامب بفرض بعض أعلى الرسوم الجمركية في العالم صدمة لبلدٍ كان يتعاون بشكل متزايد مع الولايات المتحدة، وهو جهد بلغ ذروته في عهد إدارة بايدن.
تحدث مودي وترامب أخيراً هذا الشهر، وبعد أقل من أسبوع، وقعا على اتفاقية تجارية مؤقتة. وجاء ذلك بعد أن صرح ترامب بأن الهند وعدت بالتوقف عن شراء النفط الروسي، وهو ادعاء لم تعلق عليه الهند منذ ذلك الحين، لكنها لم تنكره أيضاً.
تُعتبر الاتفاقية في مجملها غير مواتية للهند، كما هي الحال في اتفاقيات ترامب التجارية غير المتكافئة مع دول آسيوية أخرى، والتي تم الاتفاق عليها تحت ضغط التهديدات بفرض رسوم جمركية. سينخفض العبء الجمركي الأمريكي على الهند من 50% إلى 18%.
بينما ستدخل معظم السلع الصناعية الأمريكية إلى الهند برسوم جمركية صفرية أو قريبة منها. كما أعلنت الهند عزمها شراء سلع من الولايات المتحدة بقيمة 500 مليار دولار على مدى خمس سنوات، أي ما يقارب ضعف وارداتها الحالية.
وإضافة إلى التنازلات التي قدمتها الهند في الاتفاق، حذرت الولايات المتحدة من أنها ستراقب ما إذا كانت الهند ستستأنف شراء النفط الروسي، وستعيد فرض الرسوم الجمركية في حال فعلت ذلك.
وقد تسير عملية وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل ببطء أكبر في أعقاب قرار المحكمة العليا بأن استخدام ترامب لصلاحيات الطوارئ لفرض تعريفات جمركية غير دستوري. ووفقاً لمسؤول هندي، فقد تم «تأجيل» المحادثات مع الولايات المتحدة، التي كان من المقرر عقدها هذا الأسبوع في واشنطن، بينما «تدرس» وزارة التجارة «تداعيات» القرار.
وكما يتضح من انفتاح الهند على الاتحاد الأوروبي، فإن سعي حكومة مودي لتقليل المخاطر من الولايات المتحدة يقابله ويستجيب له العديد من شركائها الأجانب. يقول أوليفر ستوينكل، الأستاذ المشارك في كلية العلاقات الدولية بمؤسسة جيتوليو فارغاس البحثية في ساو باولو بالبرازيل:
«تعكس استراتيجية الهند تحولاً أوسع نطاقاً بين القوى المتوسطة في الجنوب العالمي نحو تقليل الاعتماد المفرط على أي قوة عظمى منفردة، في ظل سلوك كل من الولايات المتحدة والصين الذي يتجه نحو مزيد من المصالح المتبادلة».
ومن أبرز الأمثلة على هذا التوافق الفكري المصالحة الناشئة بين الهند وكندا، حيث من المقرر أن يزور رئيس وزرائها، مارك كارني، الهند هذا الأسبوع. ويأتي ذلك عقب اجتماع سابق بين مودي وكارني على هامش قمة مجموعة العشرين في ألبرتا العام الماضي.
وسيكون أول لقاء يقوم به زعيم كندي إلى الهند منذ الأزمة الدبلوماسية الحادة التي شهدتها العلاقات عام 2023 على خلفية اغتيال هارديب سينغ نيجار، أحد قادة الشتات السيخ، قرب فانكوفر. وكانت السلطات الكندية قد زعمت تورط دلهي في عملية الاغتيال.
وقد شكلت الدبلوماسية التجارية جزءاً أساسياً من أجندة مودي منذ توليه السلطة في عام 2014. وتسارعت وتيرتها خلال ولاية ترامب الثانية، حيث أبرمت الهند اتفاقيات تجارة حرة أو اتفاقيات أخرى مع المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وسلطنة عمان ونيوزيلندا، ودخلت حيز التنفيذ اتفاقية تجارية سابقة مع الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة.
وتعمل الهند أيضاً على بناء علاقات مع دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا. وقد دعمت الهند بقوة انضمام الاتحاد الأفريقي الدائم إلى مجموعة العشرين خلال رئاستها لها عام 2023.
كما استضافت أكبر وفد لها على الإطلاق من البرازيل، ضم أكثر من 200 رجل أعمال، خلال زيارة دولة قام بها الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الأسبوع الماضي. وقد ترأس مودي قمتين بعنوان «صوت الجنوب العالمي»، ومن المقرر أن يستضيف هذا العام قادة مجموعة بريكس المكونة من 11 دولة.
والتي تضم أيضاً البرازيل والصين وروسيا. ويقول سيلسو أموريم، كبير مستشاري لولا للشؤون الخارجية: «من المهم أن تقود الرئاسة الهندية لمجموعة بريكس هذا النقاش حول العالم الراهن وكيفية تغييره. جميعنا نرغب في إقامة علاقات متنوعة وعدم الاعتماد على أي دولة بعينها».
المصدر:فايننشال تايمز
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك