أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا
تكشف البيانات السنوية الجديدة
الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في إيطاليا “إستات”، كما حللتها تقارير إعلامية
إيطالية، عن صورة ديموغرافية شديدة الحساسية تعيشها البلاد، حيث أصبحت تدفقات
الهجرة القادمة من الخارج العامل الأساسي الذي يمنع دخول إيطاليا في مرحلة انهيار
سكاني فعلي. وتوضح الأرقام أن البلاد تعيش وضعاً دقيقاً تتقاطع فيه أزمة المواليد
مع تراجع الخصوبة وشيخوخة المجتمع، مقابل دور متزايد للهجرة في الحفاظ على التوازن
السكاني.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن
إيطاليا سجلت خلال عام 2025 عجزاً طبيعياً كبيراً بين عدد المواليد والوفيات بلغ
حوالي 296 ألف نسمة، وهو رقم يعكس عمق الأزمة الديموغرافية المستمرة منذ سنوات.
ويعود هذا العجز إلى انخفاض تاريخي في
عدد الولادات، الذي لم يتجاوز 355 ألف مولود، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله منذ بدء
الإحصاءات الحديثة، في مؤشر واضح على تراجع النمو السكاني بشكل غير مسبوق.
وفي المقابل تكشف البيانات عن تراجع
حاد في معدل الخصوبة، حيث انخفض إلى حوالي 1.14 طفل لكل امرأة، وهو معدل بعيد جداً
عن الحد الأدنى المطلوب للحفاظ على استقرار السكان. هذا التراجع يعكس ما بات يُعرف
في الأدبيات الديموغرافية الأوروبية بـ”الشتاء الديموغرافي”، حيث تتقدم معدلات الشيخوخة
على حساب الولادات، مما يخلق اختلالاً بنيوياً في التركيبة السكانية.
وترجع التقارير هذا الانخفاض الحاد في
معدلات الإنجاب إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، من بينها
ضعف الأجور في قطاعات واسعة من سوق العمل، وانتشار العقود المؤقتة وغير المستقرة،
إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، فضلاً عن نقص الخدمات الاجتماعية الداعمة
للأسر الشابة. كل هذه العناصر تدفع الكثير من الشباب إلى تأجيل قرار الإنجاب أو
الاكتفاء بعدد محدود من الأطفال.
وفي خضم هذا التراجع الطبيعي، برزت
الهجرة كعامل توازن أساسي، حيث تشير الأرقام إلى تسجيل زيادة تقارب 296 ألف مهاجر
جديد خلال الفترة نفسها، وهو رقم ساهم بشكل مباشر في تعويض العجز السكاني الحاد.
وبهذا الشكل، أصبحت الهجرة بمثابة صمام أمان يحافظ على استقرار عدد السكان
الإجمالي ويمنع دخوله في مسار انحدار سريع.
كما تكشف الإحصاءات أن عدد الأجانب
المقيمين في إيطاليا بلغ نحو 5.6 ملايين شخص، أي ما يعادل حوالي 9.4% من إجمالي
السكان، مع تسجيل زيادة سنوية تقارب 3.5%. هذا الارتفاع يعكس الدور المتزايد
للجاليات الأجنبية في سوق العمل الإيطالي، خاصة في قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية،
الزراعة، البناء، والخدمات.
ورغم أن السنوات الماضية شهدت حصول
أعداد كبيرة من المقيمين الأجانب على الجنسية الإيطالية، فإن البيانات الأخيرة
تشير إلى تراجع نسبي في منح الجنسيات خلال عام 2026، نتيجة تغييرات قانونية وتشديد
في شروط التجنيس. هذه التعديلات تهدف إلى تعزيز الارتباط الفعلي بالبلاد، لكنها في
الوقت نفسه أثرت على وتيرة اندماج بعض الفئات.
وفي خلفية هذا المشهد الديموغرافي
المعقد، يبرز البعد السياسي للنقاش حول الهجرة في إيطاليا، حيث ارتبط الملف في
السنوات الأخيرة بسجالات حادة داخل الساحة السياسية والإعلامية. غير أن الأرقام
الحالية التي يقدمها معهد “إستات” ترسم صورة مختلفة، تُظهر أن الاقتصاد الإيطالي
والديناميكية السكانية أصبحا يعتمدان بشكل متزايد على تدفقات الهجرة لتعويض
التراجع الداخلي.
وتخلص التحليلات إلى أن إيطاليا تقف
اليوم أمام معادلة دقيقة، حيث تواجه أزمة مواليد متفاقمة من جهة، وتزايداً في
الاعتماد على الهجرة من جهة أخرى، وهو ما يضع مستقبل البلاد الديموغرافي
والاقتصادي أمام تحديات كبرى. وبين خطاب السياسة وأرقام الإحصاء، يبدو أن الواقع
السكاني يفرض نفسه بقوة، مرسماً ملامح مرحلة جديدة عنوانها التغير العميق في بنية
المجتمع الإيطالي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك