"القذاذفة" يعودون إلى واجهة الأحداث بليبيا عبر مراسيم دفن سيف الإسلام القذافي

"القذاذفة" يعودون إلى واجهة الأحداث بليبيا عبر مراسيم دفن سيف الإسلام القذافي
دولية / الخميس 05 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:سميرة زيدان

في خطوة تحمل أكثر من دلالة سياسية وقبلية، أعلنت جهات مقربة من عائلة القذافي أن مراسم دفن جثمان سيف الإسلام القذافي ستُقام يوم الجمعة بمدينة بني وليد، تنفيذًا لوصيته الأخيرة، حيث أوصى بأن يُوارى الثرى إلى جوار شقيقه خميس القذافي. حدثٌ يتجاوز طابعه الجنائزي، ليُقرأ في ليبيا اليوم كإشارة ثقيلة المعنى في لحظة فراغ سياسي وتفكك سلطوي غير مسبوق.

اختيار بني وليد ليس تفصيلاً عابراً. المدينة تُعد المعقل التاريخي لقبيلة القذاذفة، وواحدة من آخر القلاع التي حافظت على تماسكها القبلي منذ سقوط نظام معمر القذافي. دفن سيف الإسلام في هذا الفضاء الجغرافي والرمزي يعيد شحن الذاكرة الجمعية لأنصار النظام السابق، ويُعيد إلى السطح سؤال “من يمثل ليبيا” في ظل تعدد الحكومات، وتآكل الشرعيات، وانسداد الأفق الانتخابي.

توجيه الدعوات لحضور مراسم التشييع، مع التشديد على الالتزام بترتيبات محددة، يعكس أن الحدث يُدار بعناية، ليس فقط من زاوية أمنية، بل من زاوية سياسية أيضًا. فالمراسم، في جوهرها، قد تتحول إلى استعراض قوة رمزية لقبيلة القذاذفة، ورسالة مبطنة إلى الداخل والخارج بأن هذه القبيلة لم تُهزم سياسيًا، وأنها ما تزال تملك القدرة على إعادة تنظيم صفوفها والتموضع كلاعب محتمل في المشهد الليبي المعقد.

في بلد تحكمه اليوم معادلات السلاح والقبيلة والتدخلات الخارجية، يبدو أن منطق “الدولة” يتراجع لصالح منطق “التكتلات”. وضمن هذا السياق، يبرز احتمال تشكّل تكتل قبائلي جديد يتمحور حول القذاذفة، مستفيدًا من حالة السخط الشعبي، وحنين جزء من الليبيين إلى الاستقرار الذي ارتبط – في الذاكرة – بمرحلة ما قبل 2011، مهما كانت كلفتها السياسية والأمنية.

اللافت أن هذا التطور يأتي في وقت تتآكل فيه أدوار الفاعلين التقليديين، وتفشل فيه النخب السياسية في إنتاج حل وطني جامع. وهو ما يفتح الباب أمام عودة “اللاعب القبلي” كبديل عملي، لا كخيار نظري. فالقذاذفة، بما تملكه من امتداد اجتماعي ورمزية تاريخية، قد تتحول من مجرد مكوّن اجتماعي إلى محور اصطفاف سياسي جديد، يعيد خلط الأوراق في ليبيا المنهكة.

دفن سيف الإسلام القذافي قد يكون نهاية جسدية لشخصية مثيرة للجدل، لكنه في الوقت نفسه قد يشكل بداية سياسية لمرحلة جديدة، تُعاد فيها قراءة الإرث القذافي بمنطق قبلي براغماتي، لا بمنطق الدولة ولا الثورة. ليبيا، مرة أخرى، تقف أمام منعطف، حيث الموت لا يُغلق الملفات… بل يفتحها على مصراعيها.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك