الأمم المتحدة على حافة الإفلاس وغوتيريش يقرع جرس النهاية وواشنطن تُشدد الخناق

الأمم المتحدة على حافة الإفلاس وغوتيريش يقرع جرس النهاية وواشنطن تُشدد الخناق
دولية / السبت 31 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:سميرة زيدان

دقّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ناقوس الخطر معلناً أن المنظمة الدولية تقف على مشارف انهيار مالي وشيك، إذا واصلت دول مؤثرة الامتناع عن سداد مساهماتها الإلزامية، في مشهد يعكس تحوّلاً خطيراً في علاقة القوى الكبرى بالمؤسسة الأممية ودورها العالمي.

وفي رسالة وُزّعت على الدول الأعضاء، أقرّ غوتيريش، بأن الأمم المتحدة عرفت أزمات مالية سابقة، لكنه شدد على أن الظرف الحالي يختلف جذرياً من حيث العمق والتداعيات، بسبب قرارات اتخذتها بعض الدول بعدم الوفاء بالتزاماتها التي تشكّل العمود الفقري لتمويل الميزانية العادية للمنظمة.

هذا العجز لم يعد ظرفياً أو تقنياً، بل بات بنيوياً يهدد قدرة الأمم المتحدة على الاستمرار في أداء وظائفها الأساسية.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز الولايات المتحدة بوصفها الفاعل الأكثر تأثيراً، بعدما قلصت بشكل ملحوظ تمويلها لعدد من وكالات الأمم المتحدة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع 2025، وامتنعت أو أخّرت تسديد جزء من مساهماتها الإلزامية، في انسجام تام مع عقيدة “أميركا أولاً” التي تعيد تعريف التعددية الدولية بمنطق المصلحة الأحادية.

ولم يقتصر الأمر على الضغط المالي، بل تجاوزه إلى بعد سياسي، مع إطلاق ترامب في يناير الماضي ما سُمّي بـ“مجلس السلام”، الذي قُدّم رسمياً كآلية لتنفيذ خطته بشأن غزة، بينما يرى منتقدوه أنه محاولة مكشوفة لبناء كيان موازٍ ينافس الأمم المتحدة ويقوّض شرعيتها.

ورغم أن أكثر من 150 دولة أوفت بالتزاماتها، إلا أن المنظمة سجلت عجزاً بلغ 1,6 مليار دولار العام الماضي، أي أكثر من ضعف العجز المسجل في السنة التي سبقتها، ما يعكس اختلالاً حاداً في منظومة التمويل.

كما حذر غوتيريش  بوضوح، من أن هذا المسار لا يمكن أن يستمر، لأنه يعرّي المنظمة أمام مخاطر مالية هيكلية تهدد وجودها ذاته.

الضغط لا يتوقف عند حدود نقص السيولة، بل يتفاقم بسبب التزام الأمم المتحدة بإرجاع مساهمات لم تُصرف لبعض الدول الأعضاء، ما وصفه غوتيريش بحلقة مفرغة تُجبر المنظمة على إعادة أموال غير متوفرة أصلاً.

هذا الواقع فرض خلال السنوات الأخيرة إجراءات تقشف قاسية، من تجميد التوظيف وتأخير المدفوعات إلى تقليص البرامج والمهام، غير أن الأمين العام أقرّ بأن هذه الأدوات لم تعد كافية لاحتواء الأزمة.

الأخطر، بحسب تحذير غوتيريش، هو احتمال العجز عن التنفيذ الكامل لموازنة برامج سنة 2026، بل واحتمال نفاد سيولة الميزانية العادية ابتداءً من شهر يوليوز، ما يعني عملياً شللاً مؤسساتياً في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في النظام الدولي.

وأمام هذا السيناريو، وضع الأمين العام الدول الأعضاء أمام خيارين لا ثالث لهما: إما السداد الكامل والفوري للمستحقات لتفادي الانهيار، أو القبول بمراجعة جذرية للقواعد المالية التي تحكم عمل المنظمة.

وتأتي هذه الأزمة المالية في سياق عالمي مشحون، كان غوتيريش نفسه قد حذر منه في آخر خطاب سنوي له، متحدثاً عن انقسامات جيوسياسية مدمّرة، وانتهاكات صارخة للقانون الدولي، وتراجع غير مسبوق في المساعدات الإنمائية والإنسانية، في إشارة مباشرة إلى التخفيضات الأميركية التي أصابت قلب العمل الأممي.

ميزانية الأمم المتحدة الحالية، التي تبلغ 3,4 مليارات دولار، تقلصت بنسبة 7 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، وصاحبتها المصادقة على إلغاء نحو 2400 وظيفة، في واحدة من أشد خطط التقشف قسوة في تاريخ المنظمة.

والمفارقة السياسية أن الولايات المتحدة، رغم كونها أكبر مساهم نظرياً بنسبة 22 في المائة خلال الفترة 2025-2027، باتت في الوقت نفسه أحد أبرز مصادر الخطر على استقرار المنظمة، بينما تقترب الصين، التي تحتل المرتبة الثانية بحوالي 20 في المائة، من لعب دور أكثر تأثيراً في معادلة التمويل والنفوذ.

هكذا، لم تعد أزمة الأمم المتحدة مجرد خلل محاسباتي، بل تحوّلت إلى معركة سياسية حول مستقبل التعددية الدولية، وحول ما إذا كان العالم يتجه نحو نظام تحكمه المؤسسات المشتركة، أم نحو فراغ دولي تملؤه القوى الكبرى وفق ميزان القوة لا القانون.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك