أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/ م . إيطاليا
في مشهد
اجتماعي يثير القلق ويدق ناقوس الخطر حول مستقبل الأجيال القادمة، كشفت أحدث
المعطيات التي عرضتها وزارة التربية الوطنية أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال
بمجلس النواب عن أرقام ثقيلة بشأن الهدر المدرسي في المغرب، بعدما بلغ عدد
التلاميذ الذين غادروا مقاعد الدراسة 264 ألفاً و889 تلميذاً خلال الموسم الدراسي
2025-2026، وهي حصيلة تكشف أن المدرسة المغربية لا تواجه فقط أزمة تعليم وتحصيل،
بل تواجه نزيفاً بشرياً متواصلاً يهدد بتحويل آلاف الأطفال والمراهقين إلى ضحايا
مبكرين للهشاشة الاجتماعية، في وقت يفترض فيه أن تكون المدرسة الملاذ الأول لحماية
الطفولة وصناعة المستقبل.
والأكثر إثارة
للخوف أن جهود إعادة إدماج المنقطعين لم تتمكن سوى من استعادة 56 ألفاً و114
تلميذاً، أي ما يعادل 21 في المائة فقط من مجموع المنقطعين، بينما بقي 208 آلاف
و775 تلميذاً خارج مسارات إعادة الإدماج التي كشفت عنها الوزارة، وهو رقم ثقيل
يعكس حجم الفجوة بين البرامج المعلنة والواقع الاجتماعي، فخلف كل تلميذ غادر
المدرسة قصة قد تكون مرتبطة بالفقر أو ضعف الإمكانيات أو صعوبة التنقل أو ظروف
أسرية قاسية، ومع استمرار هذه الأعداد يصبح السؤال أكثر إلحاحاً حول مصير مئات
الآلاف من الأطفال الذين يجدون أنفسهم خارج الفصل الدراسي دون ضمانات حقيقية
لمستقبلهم.
وتبدو المرحلة
الإعدادية الأكثر تعرضاً لهذا النزيف التعليمي، إذ تستحوذ على 55 في المائة من مجموع
حالات الانقطاع، مقابل 23 في المائة في التعليم الابتدائي و22 في المائة في
التعليم الثانوي التأهيلي، وهي مؤشرات تكشف أن الانتقال من الطفولة إلى مرحلة
المراهقة يتحول بالنسبة لعدد كبير من التلاميذ إلى نقطة انهيار في المسار الدراسي،
كما أن العالم القروي يمثل 51 في المائة من حالات الانقطاع، بينما يشكل الذكور 62
في المائة والإناث 38 في المائة، لتتضح بذلك صورة أزمة تتداخل فيها الهشاشة
الاقتصادية والبعد الجغرافي وصعوبة الاستمرار في الدراسة.
وتزداد الصورة
قتامة عندما نعرف أن 50 في المائة من حالات الانقطاع حدثت خلال السنة الدراسية
نفسها، بينما ترتبط 43 في المائة بعدم إعادة التسجيل، في حين تمثل حالات الطرد 7
في المائة، وهي أرقام تعكس تعدد الأسباب التي تدفع التلاميذ إلى مغادرة المؤسسات
التعليمية، كما تكشف أن الأزمة لا تبدأ دائماً بقرار مفاجئ، بل قد تتطور عبر الغياب
المتكرر والتعثر الدراسي وفقدان الرغبة في التعلم، إلى أن يجد الطفل نفسه خارج
المدرسة نهائياً، دون أن تكون هناك دائماً آليات كافية للتدخل المبكر قبل فوات
الأوان.
ولا تقف
الأزمة عند أبواب الانقطاع، بل تمتد إلى ظروف التعلم داخل المؤسسات التعليمية، فقد
بلغت نسبة الأقسام التي تضم 41 تلميذاً أو أكثر 9.8 في المائة في التعليم الإعدادي
و9.4 في المائة في الثانوي التأهيلي، مقابل 1.3 في المائة في الابتدائي، كما بلغت
نسبة الأقسام المكتظة وطنياً 4.6 في المائة، بينما وصلت الأقسام متعددة المستويات
إلى 17.5 في المائة، وفي ظل هذه الظروف يصبح تحسين جودة التعلمات تحدياً حقيقياً،
لأن الاكتظاظ وضعف التأطير والفوارق بين المؤسسات قد تتحول إلى عوامل إضافية تدفع
التلميذ الضعيف دراسياً نحو مغادرة المدرسة.
ورغم أن
المغرب يضم 9.22 ملايين تلميذ خلال الموسم الدراسي 2026-2027، منهم 83 في المائة
في التعليم العمومي و17 في المائة في التعليم الخصوصي، فإن حجم المنقطعين يطرح
علامات استفهام حول قدرة المنظومة على ضمان الاستمرارية للجميع، خصوصاً أن 58.4 في
المائة من التلاميذ الذين أعيد إدماجهم اتجهوا إلى التكوين المهني، و26 في المائة
كانوا من التلاميذ المطرودين الذين تمت إعادتهم، و15 في المائة استفادوا من برامج
التربية غير النظامية، في حين لم تتجاوز نسبة الملتحقين بالتعليم العتيق 0.6 في
المائة، وهي مسارات مهمة لكنها لا تمحو حقيقة بقاء أكثر من 208 آلاف تلميذ خارج
برامج الإدماج المسجلة.
إن استمرار
هذا النزيف يضع مستقبل المجتمع المغربي أمام تحديات خطيرة، لأن الطفل الذي يغادر
المدرسة مبكراً يصبح أكثر عرضة للهشاشة وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل وضعف
الاستقلال الاقتصادي، كما أن اتساع الفوارق بين المدينة والقرية قد يعمق الإحساس
بالإقصاء ويعيد إنتاج الفقر عبر الأجيال، وبينما تراهن الدولة على توسيع مدارس
الريادة وتحسين جودة التعليم ومحاربة الهدر المدرسي، فإن الأرقام تفرض تحركاً
عاجلاً يتجاوز الشعارات والبرامج الورقية نحو دعم الأسر الفقيرة وتوفير النقل
المدرسي والداخليات ومواكبة التلاميذ المهددين بالانقطاع، لأن الخطر الحقيقي ليس
في عدد المقاعد الفارغة داخل الفصول، بل في آلاف الأحلام التي تغادر المدرسة كل
سنة دون أن تعرف طريق العودة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك