أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
يضع البيان الصادر عن المكتب التنفيذي للمنتدى المغربي للحق في التربية والتعليم قضية اللامركزية في صلب النقاش حول مستقبل المدرسة العمومية بالمغرب، موجها رسالة واضحة إلى وزير التربية الوطنية محمد نبيل بنعبد الله بشأن ضرورة إعادة النظر في أساليب تدبير القطاع. فالمنتدى لا يكتفي بطرح مطالب إدارية تقنية، بل يقدم تشخيصا يعتبر أن استمرار تركيز القرار في الإدارة المركزية يحد من قدرة المؤسسات التعليمية والهيئات الجهوية والإقليمية على المبادرة والتكيف مع خصوصيات الواقع المحلي.
وتكمن أهمية هذا الطرح في ربطه بين
إصلاح الإدارة التربوية وجودة المدرسة، باعتبار أن تطوير التعليم لا يتوقف على
المناهج والموارد فقط، وإنما يحتاج أيضا إلى توزيع واضح ومتوازن للسلطة والمسؤولية.
ويكشف البيان عن مفارقة أساسية في
تدبير المنظومة التعليمية، تتمثل في وجود أكاديميات جهوية ومديريات إقليمية ومجالس
للمؤسسات، مقابل ما يصفه المنتدى باستمرار هيمنة المركز على القرارات والتوجيهات.
ووفق هذا التشخيص، فإن تعدد مستويات الإدارة لا يعني بالضرورة تحقق اللامركزية
الفعلية، ما دامت الجهات المحلية مطالبة في كثير من الحالات بتنفيذ قرارات جاهزة
بدل صياغة حلول تستجيب لحاجيات مؤسساتها. وإذا تأكد هذا الاختلال من خلال دراسة
الممارسات والقرارات المعمول بها، فإنه يطرح سؤالا جوهريا حول حدود الاستقلالية
الممنوحة للمسؤولين المحليين، ومدى قدرتهم على تحمل المسؤولية عن النتائج في ظل
ضيق هامش القرار المتاح لهم.
ومن أكثر النقاط إثارة للنقاش في
البيان مسألة إعداد الدروس والموارد البيداغوجية داخل مؤسسات الريادة، إذ ينتقد
المنتدى ما يعتبره انتقالا للمركزية من المجال الإداري إلى صميم الممارسة
التعليمية داخل الفصول الدراسية. ويثير هذا الموقف نقاشا تربويا مهما حول التوازن
بين توحيد المعايير وضمان جودة التعلمات من جهة، وتمكين المدرسين من تكييف الدروس
مع مستويات المتعلمين وخصوصيات بيئاتهم من جهة أخرى. فالتوجيهات المشتركة قد تسهم
في تقليص التفاوتات وضمان حد أدنى من الجودة، لكنها قد تصبح عائقا إذا تحولت إلى
قوالب جامدة لا تراعي الفروق بين المتعلمين والمؤسسات. لذلك فإن جوهر الإصلاح لا
يكمن في إلغاء التأطير المركزي، بل في بناء نموذج يمنح الأستاذ مساحة مهنية حقيقية
داخل إطار وطني واضح للجودة والتقييم.
أما المطالب القانونية والتنظيمية التي تضمنها البيان، فتشير إلى أن المنتدى يريد نقل النقاش من مستوى الانتقاد إلى مستوى مراجعة قواعد التدبير نفسها، من خلال تحيين النصوص المنظمة للأكاديميات الجهوية ومؤسسات التربية والتعليم العمومي، وتسريع تنزيل مقتضيات القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، وتعزيز أدوار مجالس المؤسسات ومشاركة الأسر والشركاء المحليين.
غير أن نجاح هذه المطالب يظل رهينا بتحديد الاختصاصات بدقة،
وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، ووضع آليات للمحاسبة والتقييم تمنع تحول
الاستقلالية إلى مجرد نقل للمشكلات من المركز إلى الجهات. فاللامركزية الفعالة
ليست توزيعا شكليا للمهام، بل منظومة متكاملة تربط سلطة القرار بالمسؤولية عن
النتائج، وتضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف مناطق البلاد.
وفي المحصلة، يضع البيان الوزير الجديد
أمام اختبار سياسي وتدبيري يتمثل في مدى قدرته على تحويل اللامركزية من شعار
إصلاحي إلى ممارسة ملموسة داخل المدرسة المغربية، مع ضرورة التمييز بين مطالب
المنتدى بوصفها موقفا مدنيا وبين النتائج التي تحتاج إلى معطيات ميدانية مستقلة
لإثباتها. كما أن نجاح أي إصلاح من هذا النوع يستدعي حوارا واسعا يضم المدرسين
والإدارات التربوية والأكاديميات والأسر والفاعلين المحليين، حتى لا تنتهي مراجعة
المركزية إلى مجرد إعادة توزيع للصلاحيات دون تحسين فعلي لشروط التعلم. والرهان
الأكبر هو بناء مدرسة تجمع بين وحدة التوجهات الوطنية ومرونة التدبير المحلي،
وتمنح المدرس والمؤسسة التعليمية دورا أكبر في اتخاذ القرار، لأن تربية المتعلم
على المشاركة وتحمل المسؤولية تصبح أكثر مصداقية عندما يعيش هذه القيم داخل مؤسسة
تمارسها فعليا.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك