كارثة:التعليم المغربي في ذيل الترتيب العالمي وأرقام صادمة

كارثة:التعليم المغربي في ذيل الترتيب العالمي وأرقام صادمة
تعليم / الخميس 03 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:أبو ملاك

يواجه نظام التعليم في المغرب تحديات كبيرة تكشفها نتائج الاختبارات الدولية، وفي مقدمتها برنامج التقييم الدولي للطلبة PISA التابع لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، الذي يقيس مستوى التلاميذ في سن 15 عاماً في مجالات الرياضيات والقراءة والعلوم، وتضع نتائج المغرب في موقع متأخر مقارنة بغالبية الدول والاقتصادات المشاركة، بما يعكس فجوة واضحة بين طموحات إصلاح المنظومة التعليمية والنتائج الفعلية التي يحققها التلاميذ داخل المؤسسات التعليمية، خصوصاً في المهارات الأساسية التي يفترض أن تشكل قاعدة التعلم والاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية.

وتشير نتائج PISA 2022 إلى أن المغرب حصل في الرياضيات على متوسط 365 نقطة، مقابل متوسط بلغ 472 نقطة لدى دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، فيما سجل 339 نقطة في القراءة مقابل 476 نقطة كمعدل للمنظمة، وحصل في العلوم على 365 نقطة مقابل 485 نقطة، وهي أرقام تضع المغرب ضمن الدول ذات الأداء الضعيف في المجالات الثلاثة، وتكشف اتساع الفارق بين مستوى التلاميذ المغاربة ومتوسط الأداء في البلدان التي تشارك في هذا التقييم الدولي.

وتصبح الصورة أكثر قتامة عند الانتقال من المتوسطات إلى نسبة التلاميذ الذين لا يبلغون الحد الأدنى من الكفاءة، إذ لم يتجاوز عدد من بلغوا المستوى الثاني أو أعلى في الرياضيات 18 في المئة، بينما بلغت النسبة 19 في المئة فقط في القراءة و25 في المئة في العلوم، ما يعني أن غالبية التلاميذ المشاركين لم يصلوا إلى الحد الأدنى من المهارات التي يقيسها الاختبار، كما أن نسبة التلاميذ الذين كانوا ضعفاء في المواد الثلاث مجتمعة بلغت 68.5 في المئة، وهي من أعلى النسب المسجلة بين المشاركين في PISA 2022.

وفي القراءة تحديداً، جاء المغرب في المرتبة 78 من أصل 80 دولة واقتصاداً مشاركاً وفق متوسط الأداء، بعدما سجل 339 نقطة، كما بلغت نسبة التلاميذ الذين يوجدون تحت المستوى الثاني 81.1 في المئة، وهي من أعلى النسب المسجلة دولياً، بينما تكاد تنعدم نسبة التلاميذ المغاربة الذين يصلون إلى المستويات العليا جداً في القراءة، وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة المدرسة على بناء مهارات الفهم والتحليل والاستيعاب، وليس فقط تعليم التلميذ القراءة والكتابة بالمعنى التقليدي.

ولا تقتصر مظاهر الضعف على النتائج الأكاديمية، إذ تكشف بيانات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية مؤشرات أخرى مرتبطة بالمنظومة، من بينها ارتفاع نسبة التلاميذ الذين أعادوا سنة دراسية خلال التعليم الابتدائي أو الإعدادي أو الثانوي إلى 45.5 في المئة، وهي النسبة الأعلى بين الدول والاقتصادات المشاركة في المؤشر، كما سجل المغرب واحداً من أدنى مستويات توفر الحواسيب لكل تلميذ، بنسبة بلغت 0.07 حاسوب لكل تلميذ في بيانات PISA 2022، وهو ما يعكس استمرار تحديات مرتبطة بالموارد والتجهيزات والقدرة على توفير بيئة تعليمية حديثة ومتوازنة.

ومع ذلك، فإن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر، لأن نتائج PISA لا تقيس جودة المدرسة المغربية بكل عناصرها، ولا تختزل التعليم في ترتيب واحد، كما أن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أشارت إلى أن عدد التلاميذ المغاربة البالغين 15 عاماً والمؤهلين للمشاركة في الاختبار ارتفع بين 2018 و2022 رغم استقرار عدد السكان في هذه الفئة العمرية، وهو ما يعكس توسع الولوج إلى التعليم الثانوي وإدماج فئات كانت في السابق أقل حضوراً داخل المنظومة، وبالتالي فإن جزءاً من التغير في النتائج يرتبط أيضاً باتساع قاعدة التمدرس لتشمل شرائح أكثر تهميشاً.

وتكشف الأرقام في المقابل عن بعض الجوانب التي تستحق الدراسة، إذ لم يكن تأثير الوضع الاجتماعي والاقتصادي على الأداء في المغرب بالحجم نفسه المسجل في متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كما أن الفارق في الرياضيات بين التلاميذ المنتمين إلى أعلى وأدنى الشرائح الاجتماعية والاقتصادية بلغ 43 نقطة، مقابل 93 نقطة في المتوسط لدى دول المنظمة، وهو ما يشير إلى أن ضعف النتائج لا يمكن تفسيره فقط بالفوارق الاجتماعية، وإنما يرتبط أيضاً بمشكلات أوسع داخل عملية التعلم والمناهج وطرق التدريس والموارد والبيئة المدرسية.

أما مقارنة نتائج 2022 بالدورة السابقة فتظهر أن متوسط الرياضيات بقي قريباً من مستواه السابق، إذ انتقل من 368 نقطة في 2018 إلى 365 نقطة في 2022، بينما تراجع متوسط القراءة من 359 إلى 339 نقطة، والعلوم من 377 إلى 365 نقطة، لكن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نبهت إلى أن توسيع الولوج إلى التعليم الثانوي وإدماج تلاميذ من فئات مهمشة أكثر يمكن أن يفسر جزءاً من التراجع الظاهر، ما يجعل التعامل مع الأرقام بعيداً عن سياقها الاجتماعي والديموغرافي قراءة ناقصة للمشهد التعليمي المغربي.

وتطرح هذه النتائج سؤالاً أكبر من مجرد ترتيب المغرب في لائحة دولية، يتعلق بقدرة المدرسة على تحويل سنوات الدراسة إلى كفاءات فعلية يستطيع التلميذ استخدامها في حياته اليومية، فالرياضيات لا تعني فقط حل التمارين المدرسية، والقراءة لا تقتصر على معرفة الحروف والكلمات، والعلوم لا تنحصر في حفظ المعلومات، وإنما يتعلق الأمر بقدرة المتعلم على الفهم والاستنتاج والتحليل وتطبيق المعرفة في مواقف جديدة، وهي المهارات التي أصبح امتلاكها أساسياً في سوق عمل يعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والمعرفة والابتكار.

ويبدو أن تجاوز هذه الوضعية يتطلب الانتقال من الإصلاحات التي تركز على تغيير البرامج أو الشعارات إلى إصلاح عميق يضع جودة التعلم داخل الفصل في مركز السياسة التعليمية، مع تحسين تكوين المدرسين، وتقليص الاكتظاظ، ومعالجة الهدر المدرسي، وتطوير التعليم في المناطق القروية والهشة، وتوفير الوسائل الرقمية والتجهيزات الأساسية، وتعزيز الدعم الفردي للتلاميذ المتعثرين، وربط التقييم بما يتعلمه الطالب فعلياً وليس فقط بما يستطيع حفظه استعداداً للامتحان، لأن استمرار ضعف المهارات الأساسية سيبقى عائقاً أمام أي مشروع للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

فإن موقع المغرب في اختبارات الأداء الدولية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مادة للجدل السياسي أو لتبادل الاتهامات، بل يجب أن يكون إنذاراً يستدعي نقاشاً وطنياً واسعاً حول مستقبل المدرسة المغربية، فالأرقام التي تظهر أن 81.1 في المئة من التلاميذ يوجدون دون المستوى الثاني في القراءة، وأن نحو 82 في المئة يوجدون دون المستوى الثاني في الرياضيات، وأن نحو ثلاثة أرباع التلاميذ لا يبلغون المستوى الثاني في العلوم، لا تعني الحكم على قدرات التلاميذ المغاربة، وإنما تكشف حجم المهمة التي تنتظر منظومة التعليم، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي في مستقبل المغرب يبدأ من بناء مدرسة قادرة على منح كل طفل، بغض النظر عن مكان ولادته أو وضع أسرته، الحد الأدنى من المهارات التي تمكنه من صناعة مستقبله والمساهمة في صناعة مستقبل بلاده.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك