أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا
أثار قرار فرض رسوم على التسجيل في سلكي الماستر
والدكتوراه موجة من القلق والاستياء، لما يطرحه من أسئلة عميقة حول الحق في
التعليم وتكافؤ الفرص والمساواة بين الطلبة، وترى العصبة المغربية للدفاع عن حقوق
الإنسان في مراسلة توفرت "أنتلجنسيا المغرب" على نسخة منها، أن ربط
متابعة الدراسات العليا بالقدرة المالية قد يحول الجامعة من فضاء لتكافؤ الفرص إلى
مجال يعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية.
وتتجاوز الإشكالات المطروحة مجرد قيمة الرسوم
المحددة، لتشمل أيضاً طريقة تنزيلها، وما يرافقها من إجراءات قد تمس بالمراكز
القانونية للطلبة وتثير مخاوف بشأن الأمن القانوني وعدم رجعية القرارات الإدارية.
كما تطرح هذه التدابير تساؤلات حول مدى انسجامها مع المقتضيات الدستورية
والالتزامات الدولية للمغرب في مجال ضمان الحق في التعليم وعدم التمييز.
وفي رسالة مفتوحة إلى وزير التعليم العالي والبحث
العلمي والابتكار، تدعو العصبة إلى مراجعة نظام الرسوم وإخضاعه لنقاش وطني تشاركي
يراعي العدالة الاجتماعية والقدرة على الأداء، مؤكدة أن الاستثمار في الجامعة لا
ينبغي أن يتم عبر تحميل الطلبة أعباء إضافية، وإنما عبر ضمان جودة التعليم والبحث
العلمي والحكامة الجيدة، بما يجعل التعليم العالي حقاً متاحاً للجميع لا امتيازاً
مرتبطاً بالقدرة المالية.
نص
المراسلة كاملا:
العصبة
المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان
رسالة
مفتوحة إلى السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي
والابتكار
بشأن فرض الرسوم على التسجيل في أسلاك الماستر والدكتوراه
السيد
الوزير،
تحية
حقوقية،
تتابع
العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان ببالغ القلق القرار القاضي بفرض رسوم على
التسجيل في أسلاك الماستر والدكتوراه بالنسبة لفئات من الطلبة، وما رافق تنزيله من
تدابير وإجراءات تثير إشكالات حقوقية ودستورية وقانونية عميقة، من شأنها أن تمس
جوهر الحق في التعليم، ومبدأ المساواة وعدم التمييز، وتكافؤ الفرص، بما يفضي إلى
توسيع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في الولوج إلى التعليم العالي.
إن الحق
في التعليم يعد من الحقوق الأساسية التي يكفلها دستور المملكة في فصله الـ31، كما
يشكل حقا أصيلا من حقوق الإنسان المكرسة بموجب المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان، والمادتين 13 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية، اللتين تلزمان الدول الأطراف بضمان إتاحة التعليم العالي للجميع على
أساس الكفاءة، وبجعله متاحا تدريجيا بالمجان، مع اتخاذ التدابير التشريعية
والمالية الكفيلة بالإعمال الكامل لهذا الحق. كما أن تصدير دستور المملكة يؤكد
التزام المغرب بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان كما صادق عليها، والعمل على ملاءمة
تشريعاته الوطنية معها.
وانطلاقا
من ذلك، فإن أي سياسة عمومية تجعل الولوج إلى الدراسات العليا رهينا بالقدرة
المالية للأفراد تثير تساؤلات جدية حول مدى انسجامها مع الالتزامات الدستورية
والدولية للمملكة، لاسيما أن الدولة لا يقتصر التزامها على الامتناع عن المساس
بالحق في التعليم، وإنما يمتد إلى اتخاذ التدابير الإيجابية الكفيلة بضمان الولوج
المنصف إليه، وعدم اعتماد إجراءات تشكل تراجعا عن مستوى الحماية الذي تحقق لهذا
الحق، إلا في حدود الضرورة القصوى، وبما يستجيب لمعياري المشروعية والتناسب، ووفق
مبررات موضوعية ومقنعة.
وتسجل
العصبة كذلك بقلق اعتماد بعض المؤسسات الجامعية معايير وإجراءات ذات أثر رجعي عند
إعادة التسجيل، إذ يطلب من طالب سجل نفسه خلال الموسم الجامعي السابق بصفته غير
موظف أن يدلي عند إعادة التسجيل بشهادة عدم العمل أو يلزم بأداء الرسوم الجديدة
إذا تغيرت وضعيته المهنية، رغم أن مركزه القانوني عند التسجيل الأول كان قد استقر
وفق مقتضيات قانونية قائمة آنذاك، بينما لا يستفيد الطالب الذي فقد عمله بعد
التسجيل من الإعفاء.
وهي
ممارسات تثير شكوكا جدية حول مدى احترام مبدأ الأمن القانوني، وحماية المراكز
القانونية المكتسبة، وعدم رجعية القرارات الإدارية متى رتبت آثارا تمس الحقوق
المكتسبة، فضلا عن مخالفتها لمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في الفصل
السادس من الدستور، ولمبدأ المساواة وعدم التمييز المكرس في المادة 26 من العهد
الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
كما أن
تحديد الرسوم في مبلغ عشرين ألف درهم سنويا بالنسبة لسلك الدكتوراه وخمسة عشر ألف
درهم بالنسبة لسلك الماستر، دون مراعاة التفاوت الكبير في مستويات الدخل والقدرة
الاقتصادية للمعنيين، يثير إشكالا حقيقيا يتعلق بالعدالة الاجتماعية وبمبدأ
الإنصاف.
فالمساواة
في فرض مبلغ موحد على جميع الفئات، بصرف النظر عن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية،
لا تحقق المساواة الفعلية التي تقوم على مراعاة اختلاف المراكز القانونية والقدرة
على تحمل الأعباء العامة، وإنما تؤدي إلى تمييز غير مباشر ضد الفئات محدودة الدخل،
بما يتعارض مع مبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص التي كرسها الدستور
والمواثيق الدولية.
كما أن
الاستناد إلى تجارب بعض الدول لتبرير فرض هذه الرسوم لا يستقيم من منظور القانون
المقارن والسياسات العمومية، ذلك أن المقارنة السليمة تقتضي استحضار المنظومة
القانونية والاجتماعية والاقتصادية بكامل عناصرها، لا الاقتصار على أحد مكوناتها.
فالدول
التي تعتمد رسوما جامعية تقرنها عادة بأنظمة فعالة للمنح الدراسية، والقروض
الجامعية، والحماية الاجتماعية، ومستويات مرتفعة للأجور، وضمانات واسعة للإدماج
المهني، إلى جانب جودة عالية في خدمات التعليم والبحث العلمي، والتصنيف الدولي
للجامعات، أما نقل الرسوم بمعزل عن هذه الضمانات، فإنه يخل بمبدأ المساواة في تحمل
الأعباء العامة، ويفرغ المقارنة من أسسها الموضوعية.
وإذا كانت
الحكومة تعتبر هذه الرسوم مدخلا لتجويد التعليم العالي، فإن هذا الادعاء يظل بحاجة
إلى ما يسنده من مؤشرات موضوعية قابلة للقياس. فقد عرفت بعض الجامعات المغربية فرض
رسوم خلال السنوات الأخيرة دون أن ينعكس ذلك بصورة ملموسة على جودة التكوين أو
البحث العلمي أو ترتيب الجامعات أو ظروف الدراسة، كما أن الرسوم التي تم استخلاصها
خلال الموسم الجامعي الماضي لم يصاحبها نشر معطيات دقيقة حول أوجه صرفها أو مدى
انعكاسها على مؤشرات الحكامة والنجاعة والجودة، وهو ما يثير إشكالا يرتبط بالحق في
الحصول على المعلومات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وشفافية تدبير المال العام،
باعتبارها مبادئ دستورية مؤطرة للعمل الإداري.
في هذا
الصدد، نذكّر بقرار محكمة النقض الصادر بتاريخ 3 يناير 2019 الذي أكد على أن
الإدارة لا تملك صلاحية فرض رسوم تحول دون الولوج إلى التكوين، باعتبار الجامعة
مرفقا عموميا ملزما بضمان المساواة وتكافؤ الفرص، لا بتقييدهما، وعليه، فإن مراجعة
هذه الرسوم أصبحت ضرورة لاحترام الدستور والاجتهاد القضائي وحماية الحق في التعليم.
إن العصبة
المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تؤكد أن الحق في متابعة الدراسة، بما في ذلك
الدراسات العليا، يجب أن يظل مكفولا لجميع المواطنات والمواطنين دون أي تمييز قائم
على الوضع الاجتماعي أو القدرة المالية، وأن تشجيع الأجراء وسائر الفئات
الاجتماعية على استكمال تكوينهم الأكاديمي يشكل استثمارا في الرأسمال البشري،
ويسهم في تطوير الإدارة والاقتصاد والبحث العلمي، ولا يجوز أن يتحول إلى امتياز لا
يستفيد منه إلا القادرون ماليا.
وبناء على
ما سبق، فإن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تطالب بما يلي:
الوقف
الفوري للعمل بنظام الرسوم الجامعية إلى حين إخضاعه لنقاش وطني تشاركي يراعي
المقاربة الحقوقية والدستورية، ويقيم مدى توافقه مع التزامات المملكة الدولية في
مجال الحق في التعليم.
مراجعة
جميع الإجراءات التي يترتب عنها أثر رجعي أو تمس بالمراكز القانونية المكتسبة، بما
ينسجم مع مبادئ الأمن القانوني، والمشروعية، وحماية الحقوق المكتسبة.
إخضاع أي
نظام محتمل للرسوم لمبادئ العدالة الاجتماعية والتناسب والقدرة على الأداء، مع
إقرار إعفاءات فعلية وشاملة لفائدة الفئات ذات الدخل المحدود والهشة.
احترام
الالتزامات الدستورية والدولية للمملكة في مجال الحق في التعليم، باعتباره حقا
أساسيا من حقوق الإنسان لا يجوز تقييده بقيود مالية تؤدي عمليا إلى إقصاء فئات
واسعة من المجتمع.
ونُذكّر
بقرار محكمة النقض الصادر بتاريخ 3 يناير 2019 أن الإدارة لا تملك صلاحية فرض رسوم
تحول دون الولوج إلى التكوين، باعتبار الجامعة مرفقاً عمومياً ملزماً بضمان
المساواة وتكافؤ الفرص، لا بتقييدهما، وعليه، فإن مراجعة هذه الرسوم أصبحت ضرورة
لاحترام الدستور والاجتهاد القضائي وحماية الحق في التعليم.
وتؤكد
العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان أن الاستثمار الحقيقي في الجامعة المغربية
لا يتحقق بتحميل المواطنات والمواطنين أعباء مالية إضافية، وإنما من خلال الوفاء
بالالتزامات الدستورية والدولية للدولة، وتعزيز الحكامة الجيدة، والرفع من جودة
التكوين والبحث العلمي، وتوفير الموارد الكفيلة بضمان تعليم عال منصف وجيد ومتاح
للجميع، بما يجعل الجامعة فضاء لإعمال المساواة وتكافؤ الفرص والتنمية البشرية،
وليس مجالا لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية أو دفع الكفاءات الوطنية إلى البحث عن
فرص التعليم والبحث خارج الوطن.
وتفضلوا،
السيد الوزير، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام.
الرئيس : عادل تشيكيطو
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك