أنتلجنسيا المغرب: أميمة . م
يعيش قطاع
التعليم في المغرب على وقع أزمة عميقة لم تعد خفية، بل أصبحت واضحة في تفاصيل
الحياة اليومية داخل المدارس العمومية، حيث تتراكم الاختلالات بشكل يجعل المنظومة
التربوية تبدو وكأنها تسير في اتجاه فقدان دورها الأساسي كرافعة للعدالة
الاجتماعية، ففي الوقت الذي ترفع فيه شعارات الإصلاح والتحديث، يكشف الواقع عن
تراجع في جودة التعلمات، واكتظاظ خانق داخل الأقسام، وضعف في البنيات التحتية، ما
ينعكس بشكل مباشر على مستوى التحصيل الدراسي ويضعف ثقة الأسر في المدرسة العمومية.
داخل الفصول
الدراسية، يجد التلاميذ أنفسهم في بيئة تعليمية غير ملائمة، حيث يصل عدد التلاميذ
في بعض الأقسام إلى مستويات تفوق القدرة الاستيعابية، ما يجعل العملية التعليمية
أقرب إلى التدبير العشوائي منها إلى التكوين الفعلي، في ظل نقص الوسائل
البيداغوجية، وتفاوت كبير بين المؤسسات في المدن وتلك الموجودة في القرى، حيث
تعاني هذه الأخيرة من هشاشة مضاعفة تشمل غياب التجهيزات الأساسية وصعوبة الولوج
إلى المدرسة في حد ذاته.
الأزمة لا
تتوقف عند البنية، بل تمتد إلى وضعية الأطر التربوية، حيث يعيش عدد كبير من
الأساتذة حالة من الاحتقان نتيجة ظروف العمل الصعبة، وعدم الاستقرار المهني، وتعدد
أنماط التوظيف، وهو ما أدى في فترات متقاربة إلى احتجاجات وإضرابات أثرت بشكل
مباشر على الزمن المدرسي، وخلقت حالة من الارتباك داخل المنظومة، وجعلت التلميذ
الحلقة الأضعف التي تتحمل تبعات هذا الصراع.
كما أن توالي
الإصلاحات دون تحقيق نتائج ملموسة زاد من تعقيد الوضع، حيث يتم إطلاق برامج جديدة
دون تقييم حقيقي لما سبقها، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار داخل السياسات
التعليمية، ويجعل المنظومة تبدو وكأنها في حالة تجريب دائم، دون رؤية واضحة
ومستقرة قادرة على تحقيق تحول فعلي في جودة التعليم.
في المقابل،
يتجه عدد متزايد من الأسر نحو التعليم الخاص، هروباً من تراجع جودة التعليم
العمومي، رغم تكلفته المرتفعة، وهو ما يعمق الفوارق الاجتماعية ويحول التعليم من
حق أساسي إلى خدمة مرتبطة بالقدرة المادية، ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص
ويعيد إنتاج نفس الفوارق داخل المجتمع.
في العالم
القروي، تتخذ الأزمة أبعاداً أكثر قسوة، حيث يواجه التلاميذ تحديات يومية تتعلق
بالنقل المدرسي، وبعد المؤسسات، وضعف التجهيزات، بل وحتى الانقطاع المبكر عن
الدراسة، خاصة في صفوف الفتيات، ما يجعل التعليم في هذه المناطق معركة يومية أكثر
منه مساراً طبيعياً للتعلم والتطور.
ويطرح هذا
الوضع إشكال الحكامة داخل القطاع، حيث تتكرر الانتقادات حول طريقة تدبير الموارد،
وغياب التنسيق بين مختلف المتدخلين، إضافة إلى ضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو
ما يساهم في استمرار نفس الأعطاب دون معالجة جذرية، رغم الوعي الواسع بحجم الأزمة.
إن ما يعيشه
التعليم في المغرب اليوم ليس مجرد أزمة قطاعية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة
الدولة على حماية أحد أهم ركائز المستقبل، لأن استمرار هذا التدهور يعني ببساطة
إنتاج أجيال غير مؤهلة بالشكل الكافي، في وقت أصبح فيه التعليم العامل الحاسم في
بناء المجتمعات وتحقيق التنمية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك