أنتلجنسيا المغرب: أبو ملاك
اتسع الفارق بين عوائد السندات الحكومية
الأمريكية والصينية إلى مستويات قياسية، في تطور يعكس بصورة واضحة التباين
المتزايد بين مساري أكبر اقتصادين في العالم. وبلغ الفارق بين عائد السندات لأجل
عشر سنوات نحو 3.17 نقاط مئوية، بعدما وصل العائد الأمريكي إلى حوالي 4.85 في
المائة مقابل نحو 1.68 في المائة للصين، وهو ما يجعل الاقتراض والاستثمار في السوق
الأمريكية أكثر جاذبية من الناحية المالية مقارنة بالسوق الصينية. ويأتي هذا
التطور في وقت تتباعد فيه المؤشرات الاقتصادية للبلدين بشكل لافت.
ويعكس ارتفاع العوائد الأمريكية تصاعد
المخاوف بشأن التضخم والديون وتكاليف الاقتراض، في وقت يترقب فيه المستثمرون
توجهات الاحتياطي الفيدرالي خلال المرحلة المقبلة. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة
يزيد الضغوط التضخمية، ما يرفع حساسية الأسواق تجاه أي قرار يتعلق بأسعار الفائدة.
وفي المقابل، تتجه عوائد السندات الصينية إلى مستويات منخفضة بفعل ضعف الطلب على
الائتمان والضغوط الانكماشية المرتبطة بتباطؤ النمو، الأمر الذي يدفع المستثمرين
إلى البحث عن فرص تحقق عوائد أعلى في أسواق أخرى.
ويحمل هذا التباين مخاطر مباشرة على
حركة رؤوس الأموال العالمية، إذ إن اتساع الفارق في العوائد قد يشجع المستثمرين
على نقل جزء من أموالهم من الصين نحو الأصول الأمريكية بحثاً عن عوائد أكبر.
وتواجه بكين بالفعل ضغوطاً مرتبطة بخروج رؤوس الأموال، الأمر الذي يدفع السلطات
الصينية إلى تشديد مراقبة التدفقات المالية إلى الخارج ومحاولة تنظيم حركة
الاستثمارات عبر القنوات الرسمية. ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه الفجوة بين عوائد
السندات عامل جذب مهماً للمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
وفي المقابل، بدأت البيئة الصينية ذات
العوائد المنخفضة تخلق نشاطاً متزايداً في الاقتراض باليوان خارج البلاد، حيث
يستفيد مستثمرون وشركات من انخفاض كلفة التمويل بالعملة الصينية. وقد ساهمت هذه
الظروف في نمو سوق السندات المقومة باليوان، وهو ما يمنح بكين فرصة لتعزيز
الاستخدام الدولي لعملتها، حتى في الوقت الذي تواجه فيه الأسواق المحلية ضعفاً في
الطلب على الائتمان وضغوطاً مرتبطة بالانكماش. وبالتالي فإن الفارق القياسي لا
يمثل ضغطاً على الصين فقط، بل يفتح في الوقت ذاته مجالاً أمام اليوان للعب دور
أكبر في أسواق التمويل الدولية.
ويضع هذا الوضع الاقتصاد العالمي أمام
مرحلة دقيقة، لأن استمرار ارتفاع كلفة الاقتراض في الولايات المتحدة مقابل
انخفاضها في الصين قد يؤدي إلى إعادة ترتيب جزء من تدفقات الأموال بين أكبر سوقين
ماليين في العالم. كما أن ارتفاع العوائد الأمريكية يعني عملياً زيادة كلفة
التمويل على الحكومة والشركات والأسر، بينما تعكس العوائد الصينية المنخفضة ضعفاً
في الطلب الاقتصادي أكثر مما تعكس قوة استثنائية في السوق. ومع استمرار هذا
التباين، ستبقى حركة رؤوس الأموال وأسعار العملات والسندات تحت ضغط الفوارق في
أسعار الفائدة والعوائد، في وقت تزداد فيه المخاوف العالمية من التضخم والديون
وتباطؤ النمو.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك