بركة يشهر ورقة "وطني مستقبلي" ولاستقلال يغازل الأسرة ويحارب الريع ويضع الماء والسيادة في قلب معركة 23 شتنبر

بركة يشهر ورقة "وطني مستقبلي" ولاستقلال يغازل الأسرة ويحارب الريع ويضع الماء والسيادة في قلب معركة 23 شتنبر
اقتصاد / الأربعاء 09 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

 اختار حزب الاستقلال أن يقدّم نفسه للناخبين باعتباره صاحب عرض سياسي يقوم على التزامات محددة وأرقام وآجال، واضعاً شعار «وطني مستقبلي» عنواناً لبرنامجه الانتخابي للسنوات 2026–2031، في محاولة للانتقال من خطاب الوعود العامة إلى ما يصفه الحزب بتعاقد سياسي قابل للمحاسبة بعد انتخابات 23 شتنبر.

وأعلن الحزب عن برنامجه يوم 29 غشت بالمركز العام في الرباط، بحضور أمينه العام نزار بركة وعدد من مرشحاته ومرشحيه، في محطة أراد من خلالها الحزب تقديم تصور متكامل لمرحلة ما بعد الانتخابات. وبركة، الذي يخوض الاستحقاق التشريعي عن دائرة العرائش، قدّم البرنامج باعتباره عرضاً سياسياً مركزاً، بعيداً عن الإغراق في قائمة طويلة من الوعود، مع التشديد على أن قيمة الالتزامات ستُقاس بمدى القدرة على تنفيذها وليس بجاذبية الشعارات الانتخابية.

ويتحرك حزب الاستقلال في هذه الانتخابات من داخل الأغلبية الحكومية الحالية، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، غير أن الاستحقاق المقبل يفتح في الوقت نفسه باب التنافس بين مكونات الأغلبية على ترتيبها السياسي وحجم حضورها داخل المؤسسات، ما يجعل البرنامج الانتخابي أداة للتنافس على الناخبين بقدر ما هو وثيقة لتقديم تصور للحكم.

ويحتل ملف الماء موقعاً بارزاً في هذا العرض، بعدما جعل بركة من أزمة الموارد المائية واحدة من أبرز قضايا جولاته الانتخابية، خصوصاً خلال زيارته لإقليم الخميسات مطلع شتنبر. وهناك تعهّد بإنهاء جزء كبير من معاناة العطش في الإقليم والمناطق المحيطة خلال الولاية المقبلة، بالاعتماد على السدود والتحلية وتوسيع شبكات الربط لتصل المياه إلى الدواوير والمناطق القروية.

وفي هذا السياق، أعاد الأمين العام لحزب الاستقلال طرح مشروع سد بوخميس بالرماني، متعهداً بانطلاق أشغاله خلال السنة الجارية، بعد سنوات من الانتظار منذ طرح المشروع لأول مرة كمطلب محلي سنة 2002. ويُقدَّم السد باعتباره مشروعاً قادراً على دعم مساحات فلاحية واسعة، مع توقع دخوله الخدمة في السنة الموالية، بالتوازي مع مشروع سد تالوس بأولماس، المبرمج لانطلاقه سنة 2027، وبرامج أخرى لتزويد الدواوير بالماء في أفق 2030.

غير أن مسار سد بوخميس نفسه يكشف أن الانتقال من الإعلان السياسي إلى التنفيذ يظل الاختبار الأصعب، خصوصاً بعدما أُلغي طلب عروض سابق للمشروع سنة 2024 قبل إعادة برمجته لاحقاً ضمن توجه يرمي إلى تنويع مصادر العرض المائي. ولذلك، فإن الوعد الانتخابي لن يحسمه الخطاب، وإنما ستحدده وتيرة الأشغال والتمويل واحترام الآجال ودخول المنشآت فعلياً حيز الاستغلال.

ويربط الحزب هذا التصور بما يسميه «مغرب بسرعة واحدة»، في إشارة إلى ضرورة تقليص الفوارق بين المجالات الترابية وضمان استفادة القرى والمدن من الماء الشروب والطرق والخدمات الأساسية. كما يطرح هدفاً يقضي بضمان نحو 80 في المائة من مياه السقي في الدوائر السقوية، بما يقلل من ارتهان الإنتاج الفلاحي للتساقطات المطرية وتقلبات المناخ.

وفي قلب البرنامج أيضاً، يضع حزب الاستقلال الأسرة باعتبارها إحدى القضايا الاجتماعية التي تحتاج، وفق تصوره، إلى تدخل مباشر من الدولة. ومن بين أكثر المقترحات إثارة للانتباه تخصيص منحة بقيمة 5000 درهم للمقبلين على الزواج، إلى جانب «منحة الانطلاقة الأسرية» التي تستهدف المساعدة في اقتناء السكن الأول أو تجهيز الأسرة، فضلاً عن برنامج اختياري للتحضير للحياة الزوجية وعطلة مدفوعة لرعاية الأطفال يمكن تقاسمها بين الأب والأم.

ويقدّم الحزب هذه الإجراءات باعتبارها محاولة لتخفيف الكلفة المالية والاجتماعية المرتبطة بتأسيس الأسرة، في ظل تراجع الإقبال على الزواج وتغير السلوك الديمغرافي. غير أن هذه المقترحات، شأنها شأن باقي بنود البرنامج، تظل رهينة بالتمويل وبالقدرة على تحويلها إلى سياسات عمومية وتشريعات قابلة للتنفيذ، خصوصاً أن الأرقام المتعلقة بالعزوف عن الزواج تفتح نقاشاً أوسع حول الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الظاهرة.

ويمتد التصور الأسري إلى المجال الرقمي، حيث يقترح الحزب تشديد حماية الأطفال من مخاطر منصات التواصل وبعض الألعاب، من خلال منع الولوج إلى عدد من هذه المنصات بالنسبة لمن هم دون 15 سنة، إلى جانب منع استعمال الهواتف الذكية في التعليم الابتدائي وإقرار أدوات رقابية تساعد الأسر على متابعة استعمال الأطفال للفضاء الرقمي. وهي مقترحات ذات طبيعة تشريعية وتنظيمية سيكون تنفيذها مرتبطاً بمضمون القوانين التي قد تُعتمد وبمدى قابليتها للتطبيق.

أما في الجانب الاقتصادي، فيرفع حزب الاستقلال شعار «صفر تسامح» مع الريع والفساد وتضارب المصالح، مقترحاً وضع قانون خاص بتضارب المصالح، وتشديد تتبع التصريح بالممتلكات، وإحداث آليات لمراقبة هوامش الربح في قطاعات تمس الحياة اليومية للمواطن، من الغذاء إلى العلاج والنقل ولوازم الدراسة، بالتوازي مع تعزيز صلاحيات مجلس المنافسة.

ويضع الحزب مسألة استعادة الثقة في المؤسسات في صلب هذا التصور، إذ يرى بركة أن محاربة الغلاء لا ينبغي أن تُختزل في تأثيرات الأسواق الدولية، بل يجب أيضاً مواجهة الاحتكار والوسطاء واستغلال النفوذ والموقع الاقتصادي. كما يقترح الحزب اعتماد قاعدة اعتبار سكوت الإدارة، بعد مرور أجل قانوني محدد، بمثابة موافقة، في محاولة للحد من التعقيدات الإدارية وتسريع معالجة ملفات المواطنين والمقاولات.

وفي مواجهة ضغط الأسعار، يتضمن البرنامج وعوداً بالرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات، وإحداث بطاقة أسرية موحدة تربط الاستفادة من الدعم بمؤشرات مرتبطة بالتعليم والصحة، إلى جانب إجراءات تستهدف حماية الطبقة الوسطى التي يقول الحزب إنها تواجه ضغوطاً متزايدة على قدرتها الشرائية.

غير أن هذه الالتزامات تظل، في المرحلة الحالية، مقترحات انتخابية وليست قرارات نافذة، وهو تمييز تفرضه المهنية الصحافية عند التعامل مع البرامج السياسية، خصوصاً أن تنزيلها يحتاج إلى قوانين وموارد مالية وآليات مؤسساتية، فضلاً عن توافقات داخل الأغلبية والحكومة والبرلمان.

وفي محور السيادة الاستراتيجية، يحاول حزب الاستقلال رفع مستوى الطموح من خلال تحديد مستويات رقمية للمخزونات الاستراتيجية، مقترحاً الاحتفاظ بما يعادل 90 يوماً من المحروقات، وأربعة أشهر من الحبوب، وستة أشهر من الأدوية واللقاحات، إلى جانب إنشاء آليات للإنذار المبكر تحسباً لاضطرابات سلاسل التوريد الدولية.

ويشمل العرض كذلك تكوين نحو 100 ألف موهبة في المجال الرقمي، وتعزيز المحتوى المحلي في قطاع الطاقة، وتطوير الصناعات الدقيقة، والرهان على الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد المجالات التي يمكن أن تمنح الاقتصاد المغربي موقعاً أقوى في سلاسل القيمة المستقبلية.

وفي قطاع الصحة، يقترح الحزب إحداث وكالة وطنية للمستعجلات، إلى جانب تكوين حوالي 2000 طبيب متخصص في طب المستعجلات، في تصور يهدف إلى معالجة الضغط الذي تعرفه منظومة الطوارئ وتعزيز قدرتها على الاستجابة للحالات الاستعجالية.

وفي قضية الصحراء، يحافظ الحزب على موقفه السياسي التقليدي، القائم على اعتبار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد الذي يطرحه المغرب لتسوية النزاع، مع إبراز المشاريع التنموية الكبرى في الأقاليم الجنوبية، من الطريق السريع تزنيت–الداخلة إلى ميناء الداخلة الأطلسي ومشاريع الطاقة والسكن، باعتبارها أوراشاً تستهدف تعزيز الاندماج الاقتصادي والترابي للمملكة.

وبين وعود اجتماعية تبدأ بمنحة 5000 درهم للزواج، ومشاريع مائية تمتد إلى السدود وربط الدواوير، وتعهدات بمحاربة الريع والفساد، وأهداف رقمية تخص المخزونات الاستراتيجية والمهارات الرقمية، يسعى حزب الاستقلال إلى تقديم برنامجه باعتباره عرضاً انتخابياً أكثر تركيزاً على الأرقام والآجال من الشعارات التقليدية.

لكن الرهان الحقيقي سيبدأ في اليوم الموالي لاقتراع 23 شتنبر؛ فحينها لن يكون السؤال هو مدى قوة «وطني مستقبلي» كشعار انتخابي، وإنما قدرة الحزب، إذا حصل على الموقع السياسي الذي يسمح له بذلك، على تحويل وعوده إلى قوانين ومراسيم ومشاريع وميزانيات، وعلى جعل أرقام البرنامج قابلة للقياس والمساءلة. وبين الإعلان والتنفيذ، ستظل ملفات الماء والقدرة الشرائية والأسرة ومحاربة الريع والسيادة الاقتصادية الاختبار الفعلي لمدى قدرة الاستقلال على تحويل برنامجه الانتخابي إلى سياسة عمومية ملموسة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك