أنتلجنسيا:أبو فراس
يضع صعود فوزي لقجع داخل حزب الأصالة والمعاصرة، والتحاقه بمكتبه السياسي استعداداً للانتخابات التشريعية المقبلة، سيناريو توليه حقيبة الاقتصاد والمالية في صدارة التكهنات السياسية، خصوصاً أن الرجل لا يدخل هذا النقاش من خارج دواليب الدولة، بل يحمل مساراً مهنياً طويلاً داخل وزارة المالية، انتهى بتوليه مسؤولية مديرية الميزانية قبل أن يصبح منذ سنة 2021 وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية.
ويمنح هذا المسار لقجع ميزة يصعب تجاهلها عند تقييم قدرته المحتملة على ترجمة البرنامج الانتخابي لـ"البام" إلى قرارات وإجراءات قابلة للتنفيذ، ذلك أن البرنامج الجديد للحزب لا يقدم نفسه باعتباره مجرد مجموعة من الوعود، وإنما يربط التزاماته بكلفة مالية وآليات للتمويل ومؤشرات للتتبع، وهي عناصر تجعل وزارة المالية في قلب عملية التنزيل، وليس مجرد قطاع مساعد لباقي القطاعات الحكومية.
ويطرح حزب الأصالة والمعاصرة في برنامجه للانتخابات التشريعية 2026 كلفة إضافية إجمالية تقدر بنحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، أي ما يقارب 70 مليار درهم سنوياً، موزعة على ملفات القدرة الشرائية وإدماج الشباب والمواطنة والأمان، إلى جانب إصلاحات هيكلية مرتبطة بالنمو والاستدامة. ويقترح الحزب تمويل هذه الالتزامات من خلال 300 مليار درهم يتوقع تعبئتها بفضل الأثر الإضافي للنمو، و40 مليار درهم عبر مساهمة الجماعات الترابية من حصة الضريبة على القيمة المضافة، فضلاً عن 10 ملايير درهم ناتجة عن إعادة التخصيص وتحسين النجاعة الميزانياتية.
ويجعل هذا التصور تجربة لقجع في تدبير الميزانية ذات أهمية خاصة، بعدما راكم منذ التحاقه بمديرية الميزانية خبرة في ملفات القطاعات الحكومية والإنفاق العمومي والإصلاحات الميزانياتية، قبل أن يتولى منصب مدير الميزانية سنة 2011، ثم ينتقل إلى الحكومة سنة 2021 مسؤولاً عن الميزانية. كما أظهرت مسيرته داخل وزارة الاقتصاد والمالية انخراطه المباشر في إعداد قوانين المالية ومناقشة تنفيذ الميزانيات وتتبع التوازنات المالية.
ويستند هذا الرصيد المهني إلى معرفة دقيقة بتضاريس المالية العمومية، من حيث مصادر الموارد العمومية، وبنية النفقات، وآليات إعداد قانون المالية، وهو ما قد يمنح لقجع، في حال إسناد حقيبة الاقتصاد والمالية إليه، قدرة أكبر على اختبار الوعود الانتخابية منذ مرحلة إعداد الميزانية نفسها، بدل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ ثم اكتشاف محدودية الموارد أو صعوبة إعادة ترتيب الأولويات.
ويعكس البرنامج الانتخابي لـ"البام" هذا المنطق بوضوح، بعدما التزم الحزب بمراجعة شاملة للنفقات العمومية خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية، تشمل تجميع وتوحيد البرامج والمؤسسات العمومية المتداخلة، ووضع سقف لنفقات التسيير غير الضرورية، وإخضاع الاتفاقيات والعقود-البرامج الموقعة مع القطاعات الاقتصادية الخاصة للافتحاص. وتحتاج هذه الإجراءات، قبل أي شيء، إلى وزير مالية يمتلك معرفة تفصيلية بمسارات الإنفاق وبمراكز القرار المالي داخل الإدارة.
ويعزز لقجع هذا الانطباع أيضاً كونه لم يعد يتعامل مع البرنامج الانتخابي من موقع المتابع، بل أصبح واحداً من أبرز الوجوه التي تدافع عنه ميدانياً، إذ أكد خلال لقاءات انتخابية حديثة أن الحزب يلتزم بتوفير نحو 70 مليار درهم سنوياً لتنزيل برنامجه، وأنه يريد تقديمه باعتباره عقداً يمتد لخمس سنوات ويرتبط بالأرقام والآجال والمحاسبة.
ويكشف هذا الخطاب أن الرهان الأساسي بالنسبة إلى لقجع لن يكون فقط في القدرة على معرفة أين توجد الموارد، وإنما في القدرة على تحويل الأرقام الانتخابية إلى اختيارات مالية واقعية، خصوصاً أن الجزء الأكبر من تمويل البرنامج المقترح يرتبط بالنمو الاقتصادي الإضافي. وهنا سيبرز الاختبار الحقيقي لأي وزير مالية محتمل: هل يمكن تحقيق معدلات نمو تولد فعلاً الموارد التي بُني عليها البرنامج، أم أن جزءاً من الالتزامات سيضطر إلى الاعتماد على إعادة ترتيب الإنفاق أو موارد جبائية إضافية؟
ويفرض هذا السؤال نفسه بقوة لأن المالية العمومية لا تسمح بتحويل كل وعد انتخابي إلى نفقة فورية، إذ يتعين التوفيق بين تمويل البرامج الاجتماعية والاستثمارية والمحافظة في الوقت نفسه على التوازنات الماكرو اقتصادية، خصوصاً الدين والعجز ونفقات الدولة الجارية. ويبدو أن لقجع يدرك هذه المعادلة بحكم اشتغاله لسنوات داخل مديرية الميزانية، فضلاً عن دفاعه خلال السنوات الأخيرة عن إصلاحات مرتبطة بالقانون التنظيمي لقانون المالية وبمراقبة المالية العمومية ونجاعة الأداء.
ويمنح توليه مسؤولية الميزانية منذ 2021 مؤشراً إضافياً على معرفته العملية بآليات تنفيذ الالتزامات الحكومية، فقد شارك في تقديم مشاريع قوانين المالية أمام البرلمان، كما تولى ملفات مرتبطة بتنفيذ الميزانيات وقوانين التصفية، وهي مهام تضع المسؤول المالي أمام الفارق بين ما يكتب في الوثائق الرسمية وما يمكن إنجازه فعلياً على أرض الواقع.
ويبقى انتقال لقجع من موقع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية إلى مسؤولية وزير الاقتصاد والمالية، في حال حدوثه، أكثر من مجرد ترقية في المسؤولية، لأنه سيضعه أمام منظومة مالية أوسع تشمل الضرائب والجمارك والخزينة والمنشآت والمؤسسات العمومية والمالية الخارجية، وهي مجالات توجد حالياً ضمن البنية التنظيمية لوزارة الاقتصاد والمالية إلى جانب مديرية الميزانية.
ويعني ذلك أن امتلاك الخبرة التقنية في الميزانية، رغم أهميته، لن يكون وحده كافياً لتنزيل برنامج "البام"، إذ سيتطلب الأمر قدرة سياسية على ترتيب الأولويات، والتفاوض مع باقي القطاعات الحكومية، وضبط إيقاع الإنفاق، وتعبئة الموارد، وربط الالتزامات الانتخابية بمؤشرات قابلة للقياس. غير أن الجمع بين التجربة الإدارية الطويلة والحضور السياسي الجديد قد يمنح لقجع، نظرياً، موقعاً متقدماً في اختبار ترجمة البرنامج من وثيقة انتخابية إلى سياسة مالية فعلية.
ويتحول بذلك اسم لقجع إلى أحد أكثر الأسماء ارتباطاً بالجانب المالي في المشروع السياسي الجديد للأصالة والمعاصرة، ليس فقط بسبب موقعه داخل الحزب، وإنما لأن جزءاً كبيراً من وعود البرنامج يمر عملياً عبر مكتب وزير المالية ومديرية الميزانية وآليات تعبئة الموارد وإعادة توزيع النفقات. ولذلك فإن نجاحه، في حال تحمله حقيبة الاقتصاد والمالية، لن يقاس بقدرته على الدفاع عن البرنامج فقط، بل بمدى قدرته على إثبات أن أرقامه قابلة للتحول إلى اعتمادات مالية ومشاريع ونتائج ملموسة خلال الولاية الحكومية المقبلة.
ويظل الفاصل بين الخبرة والإنجاز قائماً، لأن امتلاك مفاتيح المالية العمومية لا يعني تلقائياً القدرة على تحقيق كل الأهداف السياسية والاقتصادية، لكن مسار لقجع داخل الإدارة المالية يجعله، على الأقل من زاوية المعرفة التقنية، أحد الأسماء التي يمكنها فهم كلفة الوعود الانتخابية قبل إطلاقها، وتحديد مصادر تمويلها، ثم مراقبة تنفيذها، وهي عناصر ستكون حاسمة إذا انتقل "البام" من موقع الدفاع عن البرنامج إلى موقع المسؤولية عن تطبيقه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك