أنتلجنسيا:أبو جاسر
أعادت الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية، معتبرة أن استمرار توقف مصفاة "سامير" يحرم المغرب من مكاسب مالية واستراتيجية ضخمة، ويجعل البلاد رهينة لتقلبات الأسواق الدولية وأسعار المحروقات المكررة المستوردة من الخارج.
وأكدت الجبهة أن التحولات المتسارعة التي تعرفها السوق النفطية العالمية كشفت مجددا القيمة الحقيقية لامتلاك قدرات وطنية في مجال التكرير، مشيرة إلى أن الفارق المتزايد بين أسعار النفط الخام وأسعار المنتجات النفطية الجاهزة، وعلى رأسها الغازوال، يبرز حجم الأرباح والقيمة المضافة التي يفقدها الاقتصاد المغربي سنويا بسبب غياب التكرير المحلي.
وترى الجبهة أن إعادة تشغيل مصفاة المحمدية لم تعد مجرد مطلب مهني أو نقابي، بل أصبحت خيارا استراتيجيا يرتبط مباشرة بالأمن الطاقي الوطني، خصوصا في ظل اتساع الهوامش بين تكلفة شراء النفط الخام وأسعار بيع المشتقات النفطية في الأسواق العالمية، وهي هوامش قالت إنها تصل في بعض الفترات إلى مستويات مرتفعة جدا كان من الممكن أن يستفيد منها المغرب بدل تحويلها بالكامل إلى الخارج.
وفي هذا السياق، أوضح الحسين اليماني، رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ "سامير" والكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن الفوارق المسجلة بين النفط الخام والمنتجات المكررة تعيد بقوة النقاش حول الجدوى الاقتصادية لإحياء المصفاة المغربية، مشيرا إلى أن بعض التقديرات تبرز إمكانية تحقيق هوامش تقارب خمسة دراهم في كل لتر من الغازوال عند التكرير المحلي، وهو ما كان سيشكل موردا ماليا مهما للاقتصاد الوطني.
وشدد اليماني على أن أهمية التكرير لا تقتصر فقط على ضمان التزود بالمحروقات، بل تمتد إلى الاحتفاظ بجزء مهم من القيمة المضافة داخل الدورة الاقتصادية الوطنية، مع توفير إمكانيات أكبر للتأثير على الأسعار وتخفيف العبء على المستهلكين. وأضاف أن امتلاك الدولة لمصفاة عاملة كان من شأنه أن يسمح بتوجيه جزء من هذه العائدات إلى الخزينة العامة أو استخدامها لدعم القدرة الشرائية للمواطنين.
ورغم ذلك، أقر المتحدث بأن إعادة تشغيل "سامير" لن تكون وحدها كافية لتغطية كافة احتياجات السوق المغربية من المحروقات، موضحا أن استهلاك المملكة من الغازوال يناهز ستة ملايين طن سنويا، في حين لن تتجاوز الطاقة الإنتاجية المتوقعة للمصفاة بعد استئناف نشاطها حوالي 3.2 ملايين طن فقط.
واعتبر أن بلوغ مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي يتطلب تطوير مشاريع تكريرية إضافية تراعي طبيعة السوق الوطنية وتوازن الطلب بين مختلف المشتقات النفطية، مبرزا أن عملية التكرير لا تنتج الغازوال فقط، بل توفر مجموعة واسعة من المنتجات التي تحتاج إلى رؤية متكاملة لتدبير العرض والطلب.
كما حذر من اختزال النقاش في أسعار الغازوال وحدها، داعيا إلى مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار مختلف مكونات سوق الطاقة وبنية الاستهلاك الوطني، بما يضمن استثمارا أكثر فعالية في هذا القطاع الحيوي.
وأكد اليماني أن قطاع التكرير بطبيعته يخضع لدورات اقتصادية متقلبة، لذلك فإن تقييم جدواه لا يجب أن يرتبط بمرحلة ظرفية أو بأسعار مؤقتة، مشيرا إلى أن السنوات الأخيرة، بما فيها فترة جائحة كورونا وما تلاها من اضطرابات عالمية، كانت تحمل فرصا مهمة لتعزيز القدرات الوطنية في مجال التكرير، لكنها لم تستثمر بالشكل المطلوب.
واستدل المتحدث بالتطورات الجارية في الأسواق الدولية، حيث دفعت الارتفاعات القياسية في هوامش التكرير بعض الدول الكبرى، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى تأجيل عمليات صيانة مصافيها للحفاظ على مستويات الإنتاج، خصوصا في ظل النقص المسجل في بعض المنتجات المكررة مثل الغازوال.
وفي قراءته لبنية الأسعار داخل السوق المغربية، دعا رئيس جبهة إنقاذ "سامير" إلى تفكيك عناصر السعر النهائي للمحروقات بشكل موضوعي، موضحا أن جزءا من التكلفة مرتبط بأسعار النفط الخام التي تحددها الأسواق الدولية، بينما يضيف التكرير والتوزيع والضرائب عناصر أخرى ترفع السعر النهائي للمستهلك.
كما أشار إلى أن النقاش يجب أن يشمل أيضا السياسة الضريبية المطبقة على المحروقات، إضافة إلى هوامش الربح التي يحققها بعض الفاعلين في سلاسل الاستيراد والتوزيع والتسويق، معتبرا أن فهم هذه المكونات بشكل دقيق هو المدخل الحقيقي لتحديد أسباب غلاء الأسعار.
وختم اليماني بالتأكيد على أن الهدف ليس توجيه الاتهامات لأي جهة، بل فتح نقاش وطني جاد حول مستقبل الأمن الطاقي للمملكة، ومكانة إعادة تشغيل "سامير" ضمن الخيارات القادرة على تقليص التبعية الخارجية، واسترجاع جزء مهم من القيمة المضافة التي يغادر ريعها اليوم إلى الأسواق الأجنبية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك