المغرب يدخل قلب الحرب على الغاز بين روسيا وأوروبا

المغرب يدخل قلب الحرب على الغاز بين روسيا وأوروبا
اقتصاد / السبت 22 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

لم يعد المغرب مجرد محطة عبور محتملة في حسابات الطاقة الأوروبية، بل تحول إلى ورقة استراتيجية ثقيلة في صراع جيوسياسي يتجاوز حدود سوق الغاز، بعدما باتت موسكو وبروكسل تتصارعان على إعادة رسم خريطة الإمدادات في إفريقيا، في ظل التداعيات العميقة التي خلفتها الحرب الروسية الأوكرانية على أمن الطاقة العالمي.

وتضع قراءة حديثة نشرتها منصة “UNITED24 Media”، المتخصصة في متابعة انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية، المملكة المغربية ضمن الدول التي باتت تحظى بأهمية متزايدة في الحسابات الأوروبية الرامية إلى كسر التبعية للغاز الروسي. ويشير التقرير، الذي حمل عنوان «أوروبا خفضت اعتمادها على الغاز الروسي.. والآن روسيا تستهدف البدائل في إفريقيا»، إلى أن شمال وغرب إفريقيا تحولا إلى مجال حيوي في معركة تأمين مصادر جديدة للطاقة بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، فإن خمس دول شمال إفريقية باتت تحتل موقعاً متقدماً في استراتيجية أوروبا لتنويع وارداتها من الغاز الطبيعي والغاز المسال، ويتعلق الأمر بالمغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر. غير أن الموقع الجغرافي والسياسي للمغرب يمنحه، وفق المصدر ذاته، وضعاً خاصاً داخل هذه المعادلة، خصوصاً مع ارتباطه بمشاريع كبرى تستهدف فتح ممرات جديدة بين موارد الطاقة الإفريقية والأسواق الأوروبية.

وفي قلب هذه الرؤية يبرز مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري، الذي تراهن عليه أوروبا باعتباره أحد المشاريع القادرة على إعادة تشكيل طرق نقل الغاز من غرب إفريقيا نحو الأسواق الأوروبية. فالمشروع لا يحمل رهانات اقتصادية فقط، بل يكتسب ثقلاً جيوسياسياً متزايداً في ظل رغبة بروكسل في بناء شبكة إمدادات أكثر تنوعاً وأقل تعرضاً للصدمات السياسية التي كشفتها الحرب في أوكرانيا.

وتكشف أرقام التقرير حجم التحول الذي طرأ على السياسة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، إذ نجح الاتحاد الأوروبي، في إطار خطة “REPowerEU”، في تقليص حصة الغاز الروسي من إجمالي وارداته من نحو 45 في المائة إلى 13 في المائة. أما الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب، فقد تراجعت حصته إلى حوالي 6 في المائة، بعدما فرضت الدول الأوروبية قيوداً وإجراءات واسعة بهدف التخلص التدريجي من الاعتماد على موسكو.

لكن خروج الغاز الروسي من قلب المعادلة الأوروبية فتح جبهة جديدة في إفريقيا، حيث بدأت موسكو، وفق التقرير، في التحرك لمواجهة التحول الأوروبي ومحاولة استعادة نفوذها عبر أوراق سياسية وأمنية وعسكرية. وتبرز منطقة الساحل والصحراء باعتبارها إحدى أكثر الساحات حساسية في هذا الصراع، بالنظر إلى موقعها على خطوط الطاقة المحتملة التي يمكن أن تربط غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية.

وتذهب المنصة إلى أن النفوذ الروسي المتنامي في منطقة الساحل قد يتحول إلى عامل ضغط على مشاريع نقل الغاز الإفريقي، من خلال تعقيد البيئة الأمنية المحيطة بالممرات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يكتسب المحور المغربي أهمية متزايدة بالنسبة لأوروبا، باعتباره جزءاً من شبكة بديلة يمكن أن تساهم في ضمان تدفقات الطاقة بعيداً عن موسكو.

ولا يتوقف التنافس عند المشروع المغربي-النيجيري، إذ يواجه أيضاً مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء رهانات أمنية وجيوسياسية شديدة التعقيد. ويبلغ طول المشروع، وفق الأرقام الواردة في التقرير، نحو 4128 كيلومتراً، مع قدرة مستهدفة تصل إلى حوالي 30 مليار متر مكعب سنوياً، لربط نيجيريا بالنيجر والجزائر، قبل أن تجد الإمدادات طريقها إلى السوق الأوروبية.

وفي الحسابات الروسية، فإن استمرار الاضطرابات وعدم الاستقرار في منطقة الساحل يمكن أن يشكل عائقاً أمام تحول غرب إفريقيا إلى مصدر بديل رئيسي للغاز الأوروبي، وهو ما يجعل الصراع على الطاقة مرتبطاً بصورة مباشرة بالصراع على النفوذ السياسي والأمني في القارة.

وبذلك، تبدو معركة الغاز وقد انتقلت من الأنابيب والمنشآت ومحطات التسييل إلى ساحات النفوذ والتحالفات الأمنية. فأوروبا التي نجحت في تقليص اعتمادها على الغاز الروسي لم تحسم بعد معركة أمن الطاقة، لأن التخلص من مورد واحد لا يعني بالضرورة التخلص من المخاطر الجيوسياسية التي تحيط بالموردين الجدد وممرات نقلهم.

وفي هذه المعادلة، يجد المغرب نفسه في موقع بالغ الحساسية؛ فمن جهة، يمنحه موقعه الجغرافي وشبكة علاقاته ومشاريعه الطاقية فرصة للتحول إلى بوابة استراتيجية للغاز الإفريقي نحو أوروبا، ومن جهة أخرى، يجعله ذلك جزءاً من صراع دولي أكبر على النفوذ في القارة.

وتخلص قراءة “UNITED24 Media” إلى أن بروكسل لن تكون قادرة على ضمان نجاح استراتيجية التنويع الطاقي من دون التعامل مع البعد الأمني للمشاريع الجديدة. فحماية الاستثمارات، وتأمين طرق النقل، وتعزيز الشراكات مع الدول الإفريقية، وعلى رأسها المغرب، أصبحت عناصر أساسية في معركة أوروبا لمنع تكرار صدمة الطاقة التي فجرتها الحرب الروسية الأوكرانية.

وهكذا، لم يعد أنبوب الغاز المغربي-النيجيري مجرد مشروع اقتصادي مؤجل، بل تحول إلى قطعة على رقعة شطرنج دولية تتحرك فوقها موسكو وبروكسل وأنقرة وواشنطن وعواصم إفريقية عديدة. وكلما اشتد الصراع على مصادر الطاقة ومساراتها، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للمغرب، لكن ارتفعت معها أيضاً كلفة دخوله إلى قلب واحدة من أكثر معارك النفوذ سخونة في إفريقيا.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك