أنتلجنسيا:أبو آلاء
شهدت سوق زيت الزيتون الإسبانية تحولا لافتا خلال الأشهر الأولى من 2026، بعدما سجلت واردات مدريد من الزيت المغربي قفزة غير مسبوقة، في تطور يكشف عن تصاعد حضور المنتج المغربي داخل أحد أكبر أسواق زيت الزيتون عالميا.
وبحسب معطيات وزارة الاقتصاد الإسبانية، ارتفعت قيمة واردات إسبانيا من زيت الزيتون المغربي خلال النصف الأول من العام الجاري إلى نحو 58 مليون يورو، بعدما كانت في حدود 641 ألف يورو فقط خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بزيادة تقارب 90 مرة خلال عام واحد.
ولم يكن الارتفاع مقتصرا على القيمة المالية، إذ تكشف البيانات عن انتقال الكميات المستوردة من حوالي 300 كيلوغرام خلال النصف الأول من 2025 إلى نحو 19 طنا خلال الفترة نفسها من 2026، في قفزة تعكس تغيرا كبيرا في حجم الطلب الإسباني على الزيت القادم من المغرب.
وتأتي هذه الطفرة في وقت تعيش فيه سوق زيت الزيتون تحولات متسارعة، بفعل تغير مستويات الإنتاج والأسعار وحركة الطلب في عدد من الأسواق الدولية، بينما تتجه الأنظار في إسبانيا إلى الموسم الزراعي الجديد الذي ينطلق في أكتوبر المقبل وسط توقعات مهنية بانتعاش كبير في المحصول.
وتشير تقديرات مهنية إسبانية إلى إمكانية مضاعفة إنتاج موسم 2025/2026 مقارنة بالموسم السابق، الذي بلغ فيه الإنتاج الوطني حوالي 1.3 مليار كيلوغرام، وهو ما قد يفرض بدوره تحولات جديدة على مستوى الأسعار والتجارة الخارجية والمنافسة داخل السوق الأوروبية.
وفي الوقت الذي تستعد فيه إسبانيا لموسم جديد، تظهر بيانات المجلس الدولي للزيتون أن الطلب العالمي على زيت الزيتون لا يزال يتحرك بقوة، مع تسجيل ارتفاعات في واردات عدد من الأسواق الكبرى.
وتبرز البرازيل ضمن الأسواق التي حافظت على مستويات استيراد مرتفعة، إذ بلغت وارداتها حوالي 80 ألف طن، بينما سجلت واردات البلاد خلال النصف الأول من الموسم الزراعي الماضي ارتفاعا بنسبة 40.5 في المائة، في مؤشر على استمرار توسع الطلب العالمي على هذا المنتج.
وعلى مستوى الأسواق الكبرى بشكل عام، سجلت واردات زيت الزيتون نموا إجماليا بنسبة 4.3 في المائة، في حين ارتفعت واردات زيتون المائدة بنسبة 5.6 في المائة خلال الفترة الممتدة من شتنبر 2025 إلى مارس 2026.
أما الأسعار، فتواصل التحرك في اتجاهات متباينة بين مراكز الإنتاج الرئيسية، ما يعكس حالة عدم الاستقرار التي تميز السوق الدولية. ففي مدينة خاين الإسبانية، أحد أهم معاقل إنتاج زيت الزيتون، وصل سعر زيت الزيتون البكر الممتاز إلى حوالي 378.5 يورو لكل 100 كيلوغرام.
وفي المقابل، عرفت الأسعار في منطقة باري الإيطالية تراجعا قويا، بعدما انخفضت بنسبة 41.8 في المائة لتستقر عند حوالي 565 يورو، في تطور يعكس الفوارق الكبيرة بين الأسواق ومراكز الإنتاج الأوروبية.
وفي ظل هذه التحولات، لا تبدو المنافسة على سوق زيت الزيتون مرتبطة بالإنتاج وحده، بل أصبحت أيضا معركة حول الأسواق الخارجية والقدرة على تثبيت حضور المنتج في سلاسل التوزيع الدولية.
ومن هذه الزاوية، تكتسي القفزة التي سجلها الزيت المغربي داخل السوق الإسبانية أهمية خاصة، خصوصا أن إسبانيا نفسها تعد قوة عالمية في إنتاج زيت الزيتون، ما يعني أن ارتفاع وارداتها من المغرب يأتي في سوق تمتلك فيه البلاد قاعدة إنتاجية ضخمة ومنافسة محلية قوية.
وتزامن هذا التطور مع تحركات دولية لتعزيز استهلاك زيت الزيتون والتعريف بمزاياه، حيث أعلن المجلس الدولي للزيتون عن فتح باب الترشح للمشاركة في مشروع الأنشطة الترويجية لعام 2026، المرتقب انطلاقه خلال الشهر المقبل.
كما يواصل المجلس تعزيز التعاون مع المؤسسات الأكاديمية عبر نظام معلومات صحة الزيتون «OHIS»، بهدف توسيع المعرفة العلمية بفوائد الزيتون وزيته، بالتوازي مع التعاون مع معهد الطهي الأمريكي لإدماج الزيتون بشكل أكبر في المطبخ المعاصر.
وبينما تتجه إسبانيا إلى موسم جديد وسط آمال بمحصول أقوى، يفرض الحضور المغربي المتزايد في سوقها سؤالا أكبر حول مستقبل صادرات زيت الزيتون المغربية وقدرتها على اقتحام أسواق كانت إلى وقت قريب مرتبطة أساسا بالإنتاج المحلي أو بموردين تقليديين.
فارتفاع الواردات الإسبانية من الزيت المغربي بهذا الحجم خلال فترة قصيرة لا يبدو مجرد رقم تجاري عابر، بل مؤشر على تغير في خريطة العرض والطلب داخل سوق شديد التنافس، وقد يمنح المنتج المغربي فرصة أكبر لترسيخ حضوره خارجيا إذا تمكن من الحفاظ على الجودة والقدرة التنافسية والاستمرارية في التوريد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك