أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في الوقت الذي احتفى فيه المجمع الشريف للفوسفاط (OCP) بإبرام عقد جديد لتزويد بنغلاديش بـ60 ألف طن من الأسمدة بقيمة تناهز 42.5 مليون دولار، برزت مؤشرات مالية أكثر أهمية أعادت توجيه الأنظار نحو واقع الأداء الاقتصادي للمجموعة، بعدما كشفت نتائجها الأخيرة عن تراجع واضح في الأرباح وهوامش الربح خلال الربع الأول من سنة 2026.
وجاء الإعلان عن الصفقة وسط حملة تواصلية واسعة ركزت على البعد الاستراتيجي للعقد وعلى مساهمة المغرب في دعم الأمن الغذائي العالمي، غير أن عدداً من المتابعين للشأن الاقتصادي اعتبروا أن الزخم الإعلامي الذي رافق العملية يفوق بكثير وزنها الاقتصادي الحقيقي داخل منظومة أعمال المجموعة، بالنظر إلى حجم معاملاتها السنوية وانتشارها في الأسواق الدولية.
وتفيد معطيات اقتصادية بأن قيمة العقد، التي تعادل حوالي 425 مليون درهم، تبقى محدودة مقارنة برقم معاملات المجمع الذي تجاوز 20 مليار درهم خلال الأشهر الثلاثة الأولى فقط من السنة الجارية. ويرى مراقبون أن التركيز المكثف على هذه الصفقة تزامن مع صدور نتائج مالية أظهرت تراجع الأرباح الخام بنسبة 24 في المائة، إلى جانب انخفاض هامش الربح من 69 إلى 60 في المائة، وهو ما يعكس ضغوطاً متزايدة على مردودية المجموعة رغم استمرار نشاطها التجاري القوي.
وتشير التحليلات المتخصصة إلى أن تقلبات أسعار الصرف وتواصل الاعتماد على الدولار الأمريكي في جزء مهم من المعاملات التجارية للمجمع ساهما بشكل مباشر في التأثير على النتائج المالية، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات المرتبطة بمدى فعالية آليات تدبير المخاطر المالية المعتمدة داخل المؤسسة.
وبحسب تفاصيل الاتفاق مع الجانب البنغلاديشي، سيتم تسليم الكميات المتعاقد بشأنها على مرحلتين، بأسعار تتراوح بين 688 و726 دولاراً للطن. وتعتبر أوساط مهنية أن العملية تندرج ضمن النشاط التجاري المعتاد للمجمع في الأسواق العالمية، ولا تمثل تحولاً استثنائياً أو مكسباً نوعياً قادراً على تغيير موازين المنافسة الدولية في قطاع الأسمدة.
وفي خلفية هذه التطورات، عاد النقاش بقوة حول النموذج التدبيري للمؤسسة، خاصة مع اقتراب مصطفى التراب من إكمال عقدين كاملين على رأس المجمع منذ تعيينه سنة 2006. وتؤكد مصادر من قطاعي الطاقة والمعادن أن أصواتاً متزايدة باتت تدعو إلى تجديد أساليب التدبير وتعزيز القدرة على مواكبة التحولات السريعة التي تشهدها الأسواق العالمية، خصوصاً في ما يتعلق بالتحكم في مخاطر الصرف والتعامل مع تقلبات الأسعار الدولية.
كما يلفت متابعون إلى أن جزءاً من المكاسب التجارية التي تحققها المجموعة خلال المرحلة الحالية يرتبط بظروف دولية استثنائية، أبرزها تراجع حضور المنافسين الصينيين في عدد من الأسواق بسبب القيود التي فرضتها بكين على صادرات الأسمدة، وهو ما أتاح فرصاً إضافية للمصدرين العالميين ومن بينهم OCP.
ويرى خبراء أن الامتحان الحقيقي للمجمع لن يكون في توقيع صفقات جديدة خلال الظرفية الحالية، بل في قدرته على الحفاظ على تنافسيته عندما تستعيد الشركات الآسيوية كامل حضورها في السوق العالمية. وعندها فقط سيتضح ما إذا كانت المجموعة قادرة على تحويل موقعها الريادي إلى أرباح مستدامة ونمو مالي متواصل، أم أن تراجع الأرباح المسجل حالياً يشكل مؤشراً على تحديات أعمق تتطلب مراجعات استراتيجية تتجاوز الاحتفاء بالعقود التجارية الظرفية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك