أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
بينما تتسابق المؤسسات الرسمية لتقديم صورة وردية عن الاقتصاد المغربي، وتتغنى الحكومة بتدفق الاستثمارات الأجنبية وارتفاع نسب النمو وتوالي المشاريع العملاقة، تتسع في المقابل دائرة الغضب الاجتماعي وتتعمق الهوة بين لغة الأرقام التي تملأ التقارير الدولية وبين الواقع القاسي الذي يعيشه ملايين المغاربة. فالمواطن الذي يواجه يومياً غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع قدرته الشرائية لا يجد نفسه في تلك المؤشرات المتفائلة، بل يشعر أن هناك مغربين متوازيين: مغرباً رسمياً يحقق الإنجازات على الورق، ومغرباً شعبياً يزداد فقراً وهشاشة سنة بعد أخرى.
لقد تحولت المفارقة الاقتصادية في المغرب إلى واحدة من أبرز القضايا التي تؤرق الرأي العام. فمن جهة، تتحدث الحكومة عن مشاريع بمليارات الدراهم، وعن أوراش ضخمة مرتبطة بالبنية التحتية والموانئ والطرق السيارة والقطارات فائقة السرعة والاستعدادات لكأس العالم 2030، ومن جهة أخرى يزداد عدد الأسر التي تجد نفسها عاجزة عن مجاراة تكاليف الحياة اليومية. فالمغاربة لا يقيسون نجاح الاقتصاد بعدد المؤتمرات الدولية ولا بحجم الاستثمارات الأجنبية، بل يقيسونه بما تبقى في جيوبهم عند نهاية الشهر، وبقدرتهم على شراء اللحم والخضر والدواء ودفع الإيجار وفواتير الماء والكهرباء.
وإذا كانت السلطة التنفيذية تعتبر أن الاقتصاد الوطني يسير في الاتجاه الصحيح، فإن الواقع الاجتماعي يقدم صورة مختلفة تماماً. فالأسواق الشعبية أصبحت شاهداً يومياً على تراجع القدرة الشرائية، والطبقة الوسطى التي كانت تمثل صمام الأمان الاجتماعي بدأت تتعرض لاستنزاف غير مسبوق، فيما تنزلق آلاف الأسر نحو دائرة الفقر أو الهشاشة. لقد أصبح كثير من المغاربة يشتغلون أكثر من أي وقت مضى، لكنهم يعيشون في ظروف أصعب من السابق، وهي معادلة تكشف أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج أو النمو، بل بطريقة توزيع الثروة وثمار التنمية.
المعضلة الحقيقية التي تواجه المغرب ليست في غياب المشاريع، وإنما في طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه. فمنذ سنوات طويلة يتم التركيز على المؤشرات الماكرو اقتصادية الكبرى، بينما يتم إهمال السؤال الجوهري: من يستفيد فعلاً من هذا النمو؟ فالأرقام تكشف أن الثروة تتركز بشكل متزايد في يد فئات محدودة، بينما تعاني فئات واسعة من ضعف الدخل وغياب فرص الشغل اللائق. ولهذا السبب لا يشعر المواطن العادي بأي تحسن رغم كل ما يعلن عنه من إنجازات ومؤشرات إيجابية.
ويبدو أن البطالة تمثل أحد أخطر تجليات هذا الخلل البنيوي. فآلاف الشباب الحاصلين على الشهادات يجدون أنفسهم أمام أبواب مغلقة، فيما تتزايد معدلات الإحباط والهجرة والرغبة في مغادرة البلاد. والأخطر من ذلك أن فئات واسعة من الشباب لم تعد ترى في سوق العمل الوطني أفقاً لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، بل أصبحت تعتبر الهجرة الحل الوحيد للهروب من واقع اقتصادي لا يوفر الحد الأدنى من الطموح والكرامة.
كما أن العالم القروي ما يزال يدفع ثمناً باهظاً لسنوات من الاختلالات التنموية. فالجفاف المتكرر وتراجع النشاط الفلاحي وارتفاع تكاليف الإنتاج دفع آلاف الأسر القروية نحو مزيد من الفقر، بينما تستمر موجات النزوح نحو المدن التي تعاني أصلاً من ضغط سكاني وبطالة مرتفعة وخدمات اجتماعية غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين.
وتكشف الأزمة أيضاً حدود الرهان المفرط على المشاريع الكبرى باعتبارها الحل السحري لكل المشاكل الاقتصادية. فهذه المشاريع، رغم أهميتها الاستراتيجية، لم تنجح إلى الآن في إحداث الأثر الاجتماعي المنتظر. فالملاعب العملاقة والطرق الحديثة والقطارات السريعة لا تعني الكثير بالنسبة لعائلة عاجزة عن شراء مستلزمات أبنائها المدرسية أو تأمين علاج أحد أفرادها. ولذلك يزداد الشعور داخل المجتمع بأن الدولة تستثمر بكثافة في صورة المغرب الخارجية، بينما تتأخر معالجة الجروح الاجتماعية المتراكمة في الداخل.
ويزداد هذا الشعور حدة عندما يرى المواطن أن أسعار المواد الأساسية تواصل الارتفاع بينما تبقى الأجور شبه جامدة. فالفارق بين تكلفة الحياة ومستوى الدخل بلغ مستويات مقلقة، الأمر الذي جعل ملايين المغاربة يشعرون بأنهم يدفعون ثمن الأزمات الاقتصادية العالمية والمحلية في الوقت نفسه. وقد أدى ذلك إلى تآكل الثقة في الخطابات الرسمية التي تتحدث عن التعافي الاقتصادي، لأن المواطن لا يلمس هذا التعافي في حياته اليومية.
ولعل أخطر ما في الأزمة الحالية هو اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع في قراءة الواقع الاقتصادي. فبينما تتحدث المؤسسات عن النمو والاستثمار والتصنيفات الدولية، يتحدث المواطن عن الغلاء والبطالة والتهميش. وبين الخطابين تتشكل أزمة ثقة حقيقية تهدد بتقويض أي نجاح اقتصادي لا ينعكس بشكل مباشر على مستوى عيش السكان.
إن المغرب لا يواجه اليوم أزمة أرقام أو مؤشرات بقدر ما يواجه أزمة عدالة اقتصادية واجتماعية. فالمشكلة ليست في أن الاقتصاد لا ينمو، بل في أن ثمار هذا النمو لا تصل إلى الجميع. والمشكلة ليست في أن المشاريع الكبرى غير موجودة، بل في أن أثرها لا ينعكس بالقدر الكافي على حياة المواطن البسيط. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة خلال السنوات المقبلة لن يكون بناء المزيد من المنشآت العملاقة أو تحسين التصنيفات الدولية، بل بناء نموذج اقتصادي يجعل المواطن يشعر بأن له نصيباً حقيقياً من ثروة بلاده.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تستطيع أي مؤشرات إخفاءها هي أن نجاح الاقتصاد لا يقاس بحجم الأموال التي تتحرك في التقارير الرسمية، بل بقدرة المواطن على العيش بكرامة. وعندما يستمر الشعور الشعبي بأن الأوضاع تزداد صعوبة رغم كل الحديث عن النمو والازدهار، فإن ذلك يعني أن الاقتصاد المغربي يواجه أزمة بنيوية عميقة: اقتصاد يحقق المكاسب في الأعلى، لكنه يعجز عن إيصالها إلى الأسفل، اقتصاد يراكم الأرقام، بينما يراكم المواطنون المعاناة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك