أنتلجنسيا:أبو آلاء
في الوقت الذي تُعلن فيه المؤشرات المالية الرسمية عن ارتفاع جديد في مداخيل الجمارك، تتسع في الخلفية صورة بلد يعيش ضغطًا مالياً خانقًا، حيث لا تعكس الأرقام المتراكمة في دفاتر الدولة حجم الأزمة اليومية التي يواجهها المواطنون مع غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية واستمرار عجز الميزانية وتفاقم أزمة السيولة.
فقد كشفت المعطيات الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة أن المداخيل الجمركية تجاوزت 42,2 مليار درهم مع نهاية ماي 2026، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 7,9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، في منحى تصاعدي يشمل مختلف مكونات الجبايات المرتبطة بالاستيراد والطاقة والقيمة المضافة.
ورغم هذا الارتفاع، الذي يفترض نظريًا أنه يعزز موارد الدولة، إلا أن الواقع الاقتصادي يطرح مفارقة صارخة: خزينة تتحسن على الورق، مقابل اقتصاد اجتماعي يزداد اختناقًا تحت ضغط الأسعار والضرائب غير المباشرة وتباطؤ الأثر المباشر لهذه المداخيل على حياة المواطنين.
الأرقام الرسمية تشير إلى أن الرسوم الجمركية وحدها تجاوزت 7 مليارات درهم بزيادة سنوية تفوق 6 في المائة، بينما بلغت الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد حوالي 26,06 مليار درهم، لتواصل هيمنتها كأكبر مصدر للجبايات المرتبطة بالتجارة الخارجية. أما الضريبة الداخلية على استهلاك المنتجات الطاقية فقد سجلت حوالي 9,1 مليار درهم، محققة أعلى نسبة نمو بلغت 13,2 في المائة، وهو ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الجيوب المرتبطة بالاستهلاك اليومي للمغاربة.
لكن خلف هذا “التحسن المحاسبي”، يبرز سؤال ثقيل: أين تذهب هذه المليارات في ظل استمرار الحديث عن عجز الميزانية وضغط السيولة داخل السوق النقدية، وتباطؤ انعكاس هذه الموارد على الخدمات العمومية الأساسية؟
فبينما ترتفع المداخيل الجمركية، تتزايد شكاوى الأسر من الغلاء، وتتعاظم صعوبات الفئات المتوسطة والضعيفة في مجاراة كلفة الحياة اليومية، في وقت يبدو فيه أن التحسن المالي للدولة لا يترجم إلى انفراج اجتماعي ملموس، بل إلى فجوة أوسع بين مؤشرات الاقتصاد الكلي والواقع المعيشي.
وتكشف المعطيات نفسها أن المداخيل الخام للجبايات الجمركية قاربت 49 مليار درهم إلى غاية نهاية ماي، بزيادة سنوية تقارب 7,9 في المائة، وهو منحى تصاعدي مستمر، لكنه لا يبدو كافيًا لتخفيف الضغط عن توازنات المالية العمومية، في ظل استمرار الحاجة إلى التمويل الخارجي وتحديات تدبير العجز.
هذا التناقض بين ارتفاع الموارد وتفاقم الإحساس بالأزمة يعيد طرح سؤال جوهري حول نجاعة توظيف هذه المداخيل، وحدود تأثيرها على الاقتصاد الحقيقي، في بلد يعيش فيه المواطن يوميًا بين أسعار ترتفع بسرعة، وأجور لا تتحرك بالوتيرة نفسها، وسيولة مالية تبدو أكثر هشاشة مما تعكسه الأرقام الرسمية.
في العمق، لا تبدو الأزمة مجرد أرقام جمركية أو نسب نمو، بل معادلة اقتصادية واجتماعية معقدة، حيث تتقاطع قوة التحصيل الجبائي مع ضعف الأثر الاجتماعي، وحيث تتحول المداخيل إلى مؤشر قوة مالية للدولة، في مقابل استمرار ضغط العيش على المواطن، الذي لا يرى من هذه الأرقام سوى انعكاس غير مباشر في شكل ضرائب وأسعار وخدمات مرهقة.
وهكذا، وبينما تستمر البيانات الرسمية في تسجيل منحنى تصاعدي في المداخيل، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة هذه الموارد على كسر دائرة العجز والضغط المالي، أو ما إذا كانت ستظل مجرد أرقام قوية في التقارير، وضعيفة التأثير في حياة الناس اليومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك