أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
بينما يقترب العد العكسي لنهاية الولاية الحكومية الحالية، تتواصل سياسة الاقتراض بوتيرة متسارعة، في مشهد يثير تساؤلات متزايدة حول حجم الأعباء المالية التي ستُترك للحكومات المقبلة وللأجيال القادمة. فبدل الحديث عن تقليص المديونية أو البحث عن بدائل تمويلية مستدامة، يبدو أن باب الاستدانة الخارجية ما يزال مفتوحاً على مصراعيه، حتى في الملفات الحيوية التي تتطلب رؤية طويلة الأمد تتجاوز منطق الحلول الممولة بالقروض.
وفي أحدث حلقات هذا المسار، جرى الإعلان بالرباط عن برنامج مالي جديد بقيمة 348 مليون أورو، أي ما يقارب 3.7 مليارات درهم، لدعم السياسة المائية بالمملكة. ورغم تقديم المشروع باعتباره خطوة استراتيجية لمواجهة تحديات الجفاف والتغيرات المناخية، فإن تفاصيل التمويل تكشف أن الجزء الأكبر منه يقوم على الاقتراض، بما يعني إضافة التزامات مالية جديدة إلى الرصيد المتراكم من الديون العمومية.
ويتكون هذا الغلاف المالي من هبات محدودة لا تتجاوز 48 مليون أورو، مقابل ثلاثة قروض ضخمة تبلغ قيمة كل واحد منها 100 مليون أورو، تم توفيرها من طرف مؤسسات تمويلية أوروبية. وبعبارة أخرى، فإن معظم الأموال المعلن عنها ليست دعماً مجانياً، بل التزامات مالية ستبقى الدولة مطالبة بأدائها مستقبلاً، مع ما يرافق ذلك من فوائد وتكاليف مالية تمتد آثارها لسنوات طويلة.
ويأتي هذا التطور في وقت يزداد فيه الجدل حول المسار الذي اتخذته المديونية العمومية خلال السنوات الأخيرة، حيث يرى منتقدون أن الحكومة الحالية راكمت أرقاماً قياسية في اللجوء إلى الاقتراض الخارجي والداخلي، ما جعل خزينة الدولة أكثر ارتباطاً بالمؤسسات المالية الدولية، وأثقل كاهل المالية العمومية بأعباء متزايدة ستنعكس بشكل مباشر على الأجيال المقبلة.
ورغم أن الحكومة تبرر هذه الاختيارات بالحاجة إلى تمويل المشاريع الكبرى ومواجهة آثار التغيرات المناخية والجفاف، إلا أن أصواتاً اقتصادية تحذر من أن الاستمرار في منطق الاستدانة قد يحول بعض البرامج التنموية إلى عبء طويل الأمد، خصوصاً عندما تصبح الأقساط وخدمة الدين جزءاً متزايداً من النفقات العمومية التي كان من الممكن توجيهها إلى قطاعات اجتماعية حيوية كالتعليم والصحة والتشغيل.
وتقدم السلطات البرنامج الجديد باعتباره أداة لتعزيز تدبير الموارد المائية، وتحسين مراقبة الموارد المتاحة، وتقوية القدرة على مواجهة الفيضانات والجفاف، وحماية المياه الجوفية والتنوع البيولوجي. غير أن الجدل لا يدور حول أهمية هذه الأهداف، بل حول الكلفة الحقيقية التي ستدفعها الدولة لتحقيقها، وحول مدى قدرة الاقتصاد الوطني على تحمل المزيد من الالتزامات المالية في المستقبل.
ويأتي التمويل الجديد في إطار الشراكة الخضراء بين المغرب والاتحاد الأوروبي والتعاون المتوسطي في مجال المناخ والموارد الطبيعية، وهي شراكات تقدمها المؤسسات الأوروبية باعتبارها نموذجاً للتعاون المستدام. لكن بالنسبة لمنتقدي النهج الحكومي، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بمصدر الأموال، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي يجعل القروض خياراً متكرراً كلما ظهر تحدٍ جديد أو مشروع استراتيجي يحتاج إلى تمويل.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه وزارة التجهيز والماء أن الأمن المائي أصبح قضية سيادية ترتبط مباشرة بمستقبل البلاد واستقرارها، ترتفع أصوات أخرى للتساؤل حول ما إذا كان الحفاظ على هذا "الإرث الوطني" يتم فعلاً عبر بناء سياسات إنتاج الثروة والتمويل الذاتي، أم عبر توسيع دائرة الديون التي ستنتقل أعباؤها من جيل إلى آخر.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، يبدو أن النقاش حول المديونية سيزداد حدة، خاصة أن الحكومات ترحل، لكن الديون تبقى. أما القروض التي تُوقّع اليوم تحت عناوين التنمية والاستدامة ومواجهة الجفاف، فإن أقساطها وفوائدها ستظل تلاحق الميزانيات المقبلة لسنوات طويلة، لتجد الأجيال القادمة نفسها أمام فاتورة مالية ضخمة لم تشارك في اتخاذ قرارها، لكنها ستكون مطالبة بأدائها.
وبين الحاجة الملحة إلى تأمين الماء للمغاربة ومواجهة التحديات المناخية المتصاعدة، وبين المخاوف المتزايدة من تضخم المديونية العمومية، يظل السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تبني الحكومة الحالية أسس الأمن المائي للمستقبل، أم أنها تؤجل كلفة الحاضر إلى حساب الأجيال القادمة التي سترث ليس فقط أزمة الماء، بل أيضاً جبالاً متراكمة من الديون؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك