لوبيات العقار بالمملكة تلتهم أحلام السكن وتُحول المليارات إلى أرباح فاحشة

 لوبيات العقار بالمملكة تلتهم أحلام السكن وتُحول المليارات إلى أرباح فاحشة
اقتصاد / الإثنين 30 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

تحوّل برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي كان يُفترض أن يفتح أبواب التملك أمام آلاف الأسر المغربية، إلى ساحة مفتوحة لمضاربات شرسة تقودها شبكات من المنعشين العقاريين، نجحت في امتصاص قيمة الدعم قبل أن تلامس جيوب المستفيدين.

ما كان يُسوّق كرافعة اجتماعية لإنصاف الفئات الهشة والمتوسطة، بات يُقرأ اليوم كآلية غير مباشرة لضخ الأموال العمومية في خزائن شركات عقارية، استغلت الظرفية لرفع الأسعار بشكل متزامن مع إطلاق المنصة الرقمية للدعم، في قفزات فاقت أحياناً 15 في المائة، دون أي مبرر اقتصادي مقنع سوى منطق “اقتناص الفرصة”.

الجولات الميدانية في ضواحي المدن الكبرى، من الدار البيضاء إلى طنجة ومراكش، تكشف عن واقع مقلق: شقق تقلصت مساحتها، جودة تُسوّق على الورق أكثر مما تُجسّد على الأرض، وأثمان مضخّمة تم ضبطها بعناية لتلتهم كامل قيمة الدعم المخصص للمواطن. في هذا السياق، لم يعد المستفيد يربح شيئاً تقريباً، بل يجد نفسه أمام معادلة عبثية: دعم مالي تُعلن عنه الدولة، يقابله ارتفاع موازٍ في الأسعار يُفرغه من مضمونه.

الممارسات لا تقف عند حدود الرفع العلني للأسعار، بل تمتد إلى ما هو أكثر التواءً، من خلال فرض مبالغ إضافية خارج العقود الرسمية تحت مسميات مختلفة، كـ”مصاريف الملفات” أو “التجهيزات الإجبارية”، وهي في حقيقتها آليات ملتوية لاسترجاع قيمة الدعم بشكل غير مباشر. هذا النمط من السلوك يعكس، بحسب مصادر مهنية، تحول السوق إلى فضاء رمادي تُدار فيه العمليات خارج أعين المراقبة الفعلية.

في قلب هذا الجدل، تبرز مسؤولية الفدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين، إلى جانب وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، في ضبط إيقاع السوق وكبح موجة المضاربات التي تهدد ليس فقط مصداقية البرنامج، بل أيضاً التوازن الاجتماعي. فالتقارير المتداولة تشير إلى أن غياب تسقيف صارم لأسعار المتر المربع في المشاريع المشمولة بالدعم، فتح الباب واسعاً أمام تحويل هذا الورش إلى مصدر ربح مضمون بدل أن يكون أداة للعدالة الاجتماعية.

التحليلات الاقتصادية تذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن الدولة، في ظل هذا الوضع، تحولت عملياً إلى ممول غير مباشر لأرباح القطاع العقاري، في غياب آليات رقابية فعالة تربط بين قيمة الدعم وسعر البيع الحقيقي. وهو ما أدى إلى خلق فجوة متزايدة بين الهدف الاجتماعي للبرنامج ونتائجه على أرض الواقع.

أما على مستوى المستهلكين، فقد بدأت مؤشرات الغضب تتصاعد، مع توالي الشكايات التي تتحدث عن زيادات مفاجئة في أسعار العقود بمجرد إثبات الأهلية للاستفادة من الدعم، ما يعزز فرضية وجود تنسيق غير معلن داخل السوق لاستباق أي أثر إيجابي للمبادرة.

الوضع الحالي لم يعد مجرد خلل ظرفي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية سياساتها الاجتماعية من تغول لوبيات اقتصادية قادرة على إعادة توجيه الدعم العمومي لصالحها. وفي ظل هذا الانفلات، يطفو على السطح سؤال حاسم: هل سيبقى حلم السكن اللائق رهينة للمضاربات، أم أن تدخلاً صارماً من مؤسسات مثل مجلس المنافسة سيعيد التوازن لسوق باتت فيه أحلام المواطنين تُباع وتُشترى كسلعة؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك