أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
بعيداً عن الخطابات الرسمية المطمئنة، تكشف الأرقام الصلبة أن المغرب يسير بثبات نحو منحدر مالي خطير، حيث تحوّل الدين الخارجي إلى عبء ثقيل يهدد توازن الاقتصاد ويطرح أسئلة مقلقة حول جدوى السياسات المالية المعتمدة. تقرير حديث صادر عن البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد وضع المغرب في المرتبة الرابعة إفريقياً من حيث حجم الدين الخارجي العمومي، بما يفوق 45.6 مليار دولار مع نهاية 2024، أي ما يعادل 5.9% من إجمالي ديون القارة.
هذا التموقع لا يبدو بريئاً في سياق إقليمي معقد، إذ يأتي خلف اقتصادات أكبر مثل جنوب إفريقيا ومصر ونيجيريا، ما يثير تساؤلات حقيقية حول حجم الاعتماد على الاقتراض مقارنة بقدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج وخلق الثروة.
الأرقام الداخلية أكثر إثارة للقلق؛ إذ بلغ الدين العمومي الإجمالي حوالي 1291 مليار درهم، أي ما يعادل 82% من الناتج الداخلي الخام، متجاوزاً بكثير السقف الذي توصي به المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والذي لا ينبغي أن يتعدى 70% بالنسبة للدول ذات الدخل المتوسط.
تفكيك بنية هذا الدين يكشف اختلالات عميقة؛ فدين الخزينة وحده يفوق 1000 مليار درهم، بينما تتحمل المؤسسات العمومية أكثر من 185 مليار درهم، في وقت تتوزع فيه الديون الخارجية بين جهات مانحة كبرى على رأسها البنك الدولي بنسبة تفوق 30%، يليه البنك الإفريقي للتنمية، ثم فرنسا والبنك الأوروبي للاستثمار، إضافة إلى ألمانيا واليابان.
الأخطر من ذلك أن وتيرة التداين تسارعت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع الدين الخارجي بشكل كبير منذ 2019، بينما قفزت مديونية المغرب لدى البنك الدولي بشكل حاد خلال فترة قصيرة، ما يعكس اعتماداً متزايداً على الاقتراض بدل خلق موارد ذاتية مستدامة.
لكن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بحجم الدين، بل بكيفية استخدامه. معطيات ميزانية 2025 تكشف مفارقة صادمة: المغرب اقترض 125 مليار درهم، لكنه أعاد تسديد 107 مليارات منها لخدمة ديونه السابقة، ما يعني أن الجزء الأكبر من القروض لا يُستثمر في التنمية، بل يُستخدم لإطفاء ديون قديمة، في حلقة مالية مغلقة تُعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.
القليل المتبقي من هذه القروض وُجه لنفقات اجتماعية محدودة، بينما لم يتجاوز الجزء المخصص للاستثمار الحقيقي نسبة ضئيلة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد على توليد الثروة مستقبلاً، خاصة في ظل مشاريع كبرى مكلفة مثل الاستعدادات لكأس العالم، التي قد تفرض مزيداً من الاقتراض على الدولة والمؤسسات العمومية.
في هذا السياق، يتحول الدين من أداة تمويل إلى فخ اقتصادي، حيث تجد الدولة نفسها مضطرة للاقتراض لسداد قروض سابقة، في دوامة قد تستمر لسنوات طويلة دون أفق واضح للخروج. ومع استمرار هذا المسار، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط في الأرقام، بل في فقدان القدرة على التحكم في القرار الاقتصادي نفسه.
المشهد الحالي يضع المغرب أمام مفترق طرق حاسم: إما كسر هذه الحلقة عبر إصلاحات عميقة تعيد توجيه القروض نحو الإنتاج والاستثمار، أو الاستمرار في دوامة الاستدانة التي قد تُكلف البلاد ثمناً اقتصادياً واجتماعياً باهظاً في المستقبل القريب.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك