أنتلجنسيا:أبو فراس
في خطوة تعكس قلقاً متزايداً بشأن مستقبل الثروة الحيوانية، أعلنت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات عن إطلاق عملية ميدانية واسعة لمراقبة مدى احتفاظ مربي الماشية بإناث الأغنام والماعز المخصصة للتوالد، ابتداءً من الثلاثاء، في إجراء يبدو تقنياً في ظاهره، لكنه يحمل في عمقه رهانات استراتيجية تتعلق بالأمن الغذائي واستدامة القطاع الفلاحي.
هذه العملية تأتي كحلقة حاسمة ضمن برنامج إعادة بناء القطيع الوطني، الذي أُطلق بتوجيهات من محمد السادس، بعد التراجع الذي عرفته أعداد الماشية خلال السنوات الأخيرة، حيث سبق أن تم إحصاء وترقيم الإناث المستهدفة خلال صيف 2025، في محاولة لضبط المعطيات وتفادي أي تلاعب محتمل.
المعطيات الرسمية تشير إلى أن لجاناً محلية ستنتشر عبر مختلف أقاليم المملكة، في تنسيق مباشر مع السلطات الترابية وقطاعات حكومية أخرى، من بينها وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية، من أجل التحقق الميداني من التزام المربين بالحفاظ على هذه الإناث، التي تُعد العمود الفقري لإعادة إنتاج القطيع وضمان استمراريته.
الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في عملية المراقبة، بل في ما سيليها من صرف الشطر الثاني من الدعم المباشر، والذي يبقى مشروطاً بإثبات احترام المربين للالتزامات المحددة. هذا الربط بين الدعم والمراقبة يعكس تحولاً في مقاربة الدولة، من منطق الدعم غير المشروط إلى آلية قائمة على التتبع والمحاسبة، في محاولة لضمان نجاعة السياسات العمومية وتفادي الهدر.
تحليل هذا القرار يكشف أن السلطات تسعى إلى فرض نوع من الانضباط داخل القطاع، خاصة في ظل تقارير سابقة تحدثت عن ذبح إناث مخصصة للتوالد، ما يهدد التوازن الطبيعي للقطيع ويعمّق أزمة الإنتاج. لذلك، فإن هذه العملية ليست مجرد إجراء إداري، بل تدخل مباشر لإعادة ضبط سلوك السوق وحماية الموارد الحيوانية.
وفي المقابل، يظل نجاح هذا الورش رهيناً بمدى انخراط الفلاحين ومربي الماشية، الذين دعتهم الوزارة إلى التعاون الكامل، خصوصاً أن استكمال صرف الدعم مرتبط بنتائج هذه العملية. كما أن استعادة التوازن داخل القطاع لن تتحقق فقط عبر الدعم المالي، بل تتطلب أيضاً إصلاحات أعمق تشمل سلاسل الإنتاج والتوزيع وظروف العيش في العالم القروي.
في المحصلة، يبدو أن المغرب يدخل مرحلة جديدة في تدبير ملف الثروة الحيوانية، عنوانها الصرامة في المراقبة مقابل الدعم، في محاولة لإنقاذ القطيع الوطني من التآكل، وضمان حد أدنى من السيادة الغذائية في سياق دولي يتسم بعدم الاستقرار وارتفاع المخاطر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك