أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
بلهجة تنظيمية حازمة، أطلقت المديرية العامة للضرائب مذكرتها الدورية رقم 737، واضعة الإطار العملي للإجراءات الجبائية التي جاء بها قانون المالية رقم 50.25 برسم سنة 2026، في خطوة تؤشر على انتقال الإصلاح الضريبي من مرحلة التدرج النظري إلى طور التفعيل الصارم.
المذكرة لا تكتفي بعرض مقتضيات تقنية موزعة حسب كل ضريبة، بل تؤكد أن ما يجري هو حلقة ضمن مسار استراتيجي انطلق مع اعتماد القانون الإطار رقم 69.19 سنة 2021، باعتباره المرجعية المؤطرة لإعادة هيكلة المنظومة الجبائية. هذا المسار، الذي تغذى بتوصيات المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات المنعقدة بالصخيرات سنة 2019، ترجم نفسه عبر إصلاحات متتالية مست الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الدخل خلال قوانين مالية 2023 و2024 و2025.
في ما يخص الضريبة على الشركات، تم اعتماد مقاربة تدريجية تمتد بين 2023 و2026، هدفها توحيد الأسعار، تخفيف العبء عن المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة توزيع الضغط الجبائي بشكل أكبر على الشركات الكبرى، مع مراجعة نسب الاقتطاع من المنبع على الأرباح الموزعة وتقليص معدلات المساهمة الدنيا. الرسالة هنا واضحة: إعادة ترتيب التوازن بين العدالة الجبائية وجاذبية الاستثمار.
أما الضريبة على القيمة المضافة، فقد دخلت بدورها مرحلة إعادة هيكلة عميقة منذ 2024، عبر حصرها في نسبتين أساسيتين (20% و10%) وتوسيع دائرة الإعفاءات لتشمل مواد استهلاكية أساسية، في محاولة للجمع بين حياد الضريبة بالنسبة للمقاولة وحماية القدرة الشرائية. هذه المقاربة تسعى إلى إنهاء فوضى النسب المتعددة التي كانت تربك الفاعلين الاقتصاديين وتفتح منافذ للالتفاف.
وفي ما يتعلق بالضريبة على الدخل، جاء إصلاح 2025 ليعيد النظر في الجدول الضريبي لفائدة الأجراء، مع إعفاء كلي للمتقاعدين بخصوص معاشهم الأساسي، في إشارة اجتماعية قوية داخل مسار إصلاح يغلب عليه الطابع الهيكلي.
غير أن التحول الأكثر حساسية يكمن في التدابير الموازية التي تستهدف إدماج القطاع غير المهيكل ومحاصرة الاحتيال الضريبي. فقد تم إقرار آلية جديدة للاقتطاع من المنبع، وتعزيز أدوات المراقبة، وإعادة النظر في التحفيزات الجبائية وترشيدها، بما يعني عملياً تضييق هامش المناورة أمام الأنشطة غير المصرح بها، وربط الامتيازات بوضوح أكبر بمردودية اقتصادية واجتماعية ملموسة.
الخطاب الرسمي يتحدث عن استقرار النظام الجبائي وتعزيز الإنصاف وتوسيع الوعاء وتحسين مناخ الأعمال، لكن القراءة التحليلية تكشف أن الدولة بصدد إعادة هندسة علاقتها بالمكلفين بالضريبة: مزيد من الوضوح في القواعد، مقابل مزيد من الصرامة في الامتثال. فالإصلاح لم يعد شعاراً، بل منظومة مترابطة تستهدف توسيع القاعدة الجبائية وتعبئة موارد مستدامة لتمويل السياسات العمومية والجماعات الترابية.
قانون مالية 2026 يأتي إذاً كتتويج لمرحلة أولى من الإصلاح، وكمنصة لتسريع الانتقال نحو نموذج اقتصادي أكثر تنظيماً واندماجاً. محاوره الكبرى – إدماج غير المهيكل، مكافحة الغش، تعزيز تنافسية المقاولات، توحيد القواعد، وتقوية التماسك الاجتماعي – تعكس طموحاً مزدوجاً: رفع المداخيل دون خنق الاستثمار، وتوسيع العدالة الجبائية دون إرباك التوازنات الاقتصادية.
بهذه المذكرة، تدخل المنظومة الضريبية منعطفاً حاسماً؛ فإما أن تنجح في تحقيق معادلة الثقة والصرامة معاً، أو تجد نفسها أمام تحدي مقاومة اجتماعية واقتصادية في حال لم يُترجم الإصلاح إلى أثر ملموس على النمو وفرص الشغل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك