انكماش حاد في مبيعات الإسمنت يطرق أبواب 2026 وقطاع البناء تحت ضغط المناخ والسيولة رغم تعافي القروض العقارية

انكماش حاد في مبيعات الإسمنت يطرق أبواب 2026 وقطاع البناء تحت ضغط المناخ والسيولة رغم تعافي القروض العقارية
اقتصاد / الجمعة 27 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

استهل قطاع البناء والأشغال العمومية سنة 2026 بإشارة سلبية قوية، إذ سجلت مبيعات الإسمنت، المؤشر الأبرز لقياس دينامية النشاط العقاري والبنيوي، تراجعاً بنسبة 18,8 في المائة خلال شهر يناير الماضي، مقارنة بارتفاع بلغ 13,8 في المائة في الفترة نفسها من السنة السابقة، في انعطافة تعكس هشاشة الطلب وارتباط القطاع بعوامل ظرفية ومناخية مباشرة.

المعطيات الصادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية تشير إلى أن هذا الانخفاض لم يكن جزئياً أو محدوداً، بل شمل غالبية فئات الاستهلاك المرتبطة بالإسمنت، حيث تراجعت مبيعات التوزيع بنسبة 24,5 في المائة، والخرسانة الجاهزة للاستخدام بنسبة 11,5 في المائة، والخرسانة المعدة مسبقاً بنسبة 14,2 في المائة، والبنيات التحتية بنسبة 13,2 في المائة، إضافة إلى انخفاض في فئة البناء بنسبة 7,2 في المائة. هذا التراجع الواسع يعكس تباطؤاً عملياً في الأوراش، ويرتبط بحسب التفسير الرسمي بالتساقطات المطرية الاستثنائية التي عطّلت النشاط الميداني وأبطأت تنفيذ المشاريع.

في المقابل، سجلت فئة الملاط ارتفاعاً بنسبة 21,4 في المائة، ما يشير إلى وجود تحركات انتقائية داخل السوق، قد ترتبط بأعمال صيانة أو مشاريع محدودة الحجم لم تتأثر بنفس حدّة التراجع الذي ضرب القطاعات الأخرى. غير أن هذا الارتفاع الجزئي لا يغيّر الصورة العامة التي تعكس ضغطاً واضحاً على الطلب المادي في قطاع البناء.

وعلى مستوى التمويل العقاري، يظهر المشهد أكثر تعقيداً. فقد أنهى جاري القروض العقارية سنة 2025 بتسارع في وتيرة نموه إلى 3,4 في المائة، وهو أفضل أداء يسجل خلال خمس سنوات، ليصل إلى 321,5 مليار درهم. هذا التطور يعكس استمرار تدفق التمويل نحو القطاع رغم تباطؤ النشاط الميداني، ما يطرح مفارقة بين تراجع الإنتاج المادي واستمرار توسع القروض.

التفاصيل تشير إلى أن هذا النمو في التمويل يعود إلى تحسن جاري قروض السكن بنسبة 3,3 في المائة بعد أن كان النمو 1,7 في المائة فقط قبل عام، إضافة إلى ارتفاع جاري قروض الإنعاش العقاري بنسبة 5,3 في المائة، رغم أنه كان قد سجل زيادة أعلى نسبياً بلغت 5,7 في المائة في السنة السابقة. بمعنى آخر، التمويل البنكي يحافظ على ديناميته، لكن تأثيره لا ينعكس فوراً على مؤشرات الاستهلاك الفعلي للإسمنت.

تحليلياً، يكشف هذا التباين عن مرحلة انتقالية في القطاع العقاري المغربي، حيث تتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية: تقلبات مناخية تؤثر مباشرة في وتيرة الأشغال، وضغوط اقتصادية تحد من قدرة المستثمرين والمقاولين على تنفيذ المشاريع، واستمرار تدفق التمويل البنكي الذي قد لا يجد ترجمة فورية في النشاط الميداني. هذا الوضع قد يشير إلى تأجيل مشاريع أو إعادة جدولة استثمارات، بدلاً من إلغائها بشكل نهائي.

المعادلة الحالية تعكس إذن اقتصاد بناء يتحرك على إيقاع حذر، حيث تتقدم المؤشرات المالية على المؤشرات الإنتاجية، ويظل السؤال المطروح حول مدى قدرة السوق على تحويل هذا الزخم الائتماني إلى إنجاز فعلي في الأوراش. وبين المناخ والسيولة، يبقى قطاع الإسمنت مرآة دقيقة تعكس صحة المنظومة العقارية برمتها، بما تحمله من تحديات وفرص في آن واحد.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك