المغرب بلد البحرين وأسعار بلا رحمة والسمك يتحول إلى ترف في وطنٍ يطفو على الثروة؟

المغرب بلد البحرين وأسعار بلا رحمة والسمك يتحول إلى ترف في وطنٍ يطفو على الثروة؟
اقتصاد / الجمعة 27 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

 فجّرت البرلمانية لبنى الصغيري عن حزب التقدم والاشتراكية سؤالاً سياسياً حاداً، في مواجهة مفارقة موجعة بين وفرة البحر وضيق موائد الأسر، حول الارتفاع “غير المبرر” لأسعار الأسماك خلال رمضان، معتبرة أن ثروة طبيعية تتجدد سنوياً لا تنعكس على السوق الداخلية، وأن الغلاء الصاروخي في ذروة الاستهلاك يضرب القدرة الشرائية ويعرّي اختلالاً بنيوياً طال أمده.

المغرب، بسواحل تتجاوز 3500 كيلومتر، يُعد من أغنى بلدان المنطقة والقارة بالثروة السمكية، وقطاع الصيد البحري رافعة للاقتصاد من حيث فرص الشغل والصادرات وجلب العملة الصعبة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف تتحول وفرة الإنتاج إلى ندرة على مستوى السعر؟ وكيف يصبح السمك، رمز القرب من البحر، سلعة تثقل كاهل المستهلك مع كل موسم رمضاني؟

البرلمانية وجّهت سؤالاً كتابياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، واضعة الإصبع على جرح سلاسل التوزيع ومسارات التسويق الداخلي. فبين الميناء وطاولة المستهلك، تتكدس حلقات وساطة ومضاربة تلتهم القيمة المضافة، بينما تظل آليات الضبط والمراقبة الميدانية عاجزة عن كبح انفلات الأسعار. هنا لا يتعلق الأمر بموجة ظرفية، بل باختلال هيكلي يتجدد كل عام، كأن الأزمة جزء من طقوس الموسم.

التحليل الاقتصادي يكشف أن السوق الداخلية ليست المستفيد الأول من مردودية الصيد، وأن منطق التصدير وتثمين العملة الصعبة غالباً ما يتقدم على منطق العدالة السعرية داخلياً. حين تُوجَّه كميات معتبرة إلى الخارج بعقود مربحة، تتقلص المعروضات في السوق المحلية أو تُعاد تسعيرها وفق سقوف أعلى، فتتسع الهوة بين وفرة البحر وندرة الجيب. وفي غياب شفافية كافية في تتبع الهوامش عبر السلسلة، يختلط المشروع بالمضاربي، ويصعب تحديد من يقتسم الكعكة ومن يدفع الفاتورة.

اللافت أن الجدل لا يطال الكميات فحسب، بل يطال أيضاً جدوى سياسات “التثمين الوطني” للمنتوج البحري: هل انعكست الاستثمارات والبنيات التحتية واتفاقيات الصيد والتصدير على رفاه المستهلك؟ أم أن القيمة المضافة تتراكم في حلقات بعيدة عن السوق الداخلية؟ رمضان يكشف هذه التناقضات بحدة، لأن الطلب يرتفع، والقدرة الشرائية تتآكل، والحساسية الاجتماعية تتضاعف.

ما تطرحه الصغيري ليس مجرد سؤال برلماني، بل اختبار لسياسة عمومية كاملة: ضبط سلاسل التوزيع، تشديد المراقبة على هوامش الربح، تفعيل آليات شفافية الأسعار من الميناء إلى التقسيط، وإعادة التوازن بين متطلبات التصدير وحق السوق الداخلي في نصيب عادل من الثروة. فبلد ببحرين لا ينبغي أن يعيش مفارقة “سمك للتصدير وغلاء للاستهلاك”.

بين أمواج الأطلسي والمتوسط، تتكدس الأسئلة أكثر مما تتكدس الأسماك في شباك الصيادين. وإذا لم تُحسم معضلة التسويق والوساطة والرقابة، سيظل كل رمضان موعداً متكرراً مع أزمة يمكن التنبؤ بها، لكنها لا تُحل. الثروة موجودة، والإرادة مطلوبة، والعدالة السعرية ليست رفاهية بل شرط استقرار اجتماعي في موسم تُقاس فيه القدرة الشرائية بميزان يومي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك