أنتلجنسيا:سميرة زيدان
بعيداً عن لغة الأرقام الباردة، تكشف معطيات رسمية أن القطاع الاستخراجي في المغرب واصل خلال 2025 تسجيل نتائج قوية، مدفوعاً بارتفاع إنتاج الفوسفاط الخام بنسبة 7,5 في المائة، إلى جانب نمو مشتقاته بنسبة 5,2 في المائة، وصادرات قاربت 100 مليار درهم. لكن خلف هذا الزخم الذي يبدو واعداً، يتصاعد سؤال أكثر حدة في الشارع: كيف يمكن لبلد يصدر ثروة معدنية بهذا الحجم أن يظل فيه الإحساس العام بضيق المعيشة سائداً؟
الأرقام الصادرة عن المديرية العامة للدراسات والتوقعات المالية تؤكد أن قيمة صادرات الفوسفاط ومشتقاته بلغت حوالي 99,8 مليار درهم سنة 2025، بزيادة 14,6 في المائة مقارنة بالسنة السابقة. كما ارتفعت مبيعات مشتقات الفوسفاط في الأسواق الخارجية بأكثر من 14 في المائة، وقفزت صادرات الفوسفاط الخام بأكثر من 17 في المائة. وحتى باقي المعادن سجلت تحسناً طفيفاً في قيمة شحناتها.
نظرياً، هذه الأرقام تعني تدفقاً مهماً للعملة الصعبة، وتعزيزاً لاحتياطي البلاد من النقد الأجنبي، وتحسناً في الميزان التجاري. لكن عملياً، لا يوازي هذا الأداء تحسن ملموس في القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين، الذين يواجهون تضخماً في أسعار المواد الأساسية، وارتفاعاً في تكاليف السكن، وضغطاً ضريبياً غير مباشر يثقل كاهلهم يومياً.
أين تذهب هذه المليارات إذن؟ جزء مهم منها يُعاد استثماره في توسيع القدرات الإنتاجية، وتحديث البنيات التحتية الصناعية، وتمويل مشاريع استراتيجية كبرى. جزء آخر يُخصص لخدمة الدين العمومي وتمويل عجز الميزانية، خاصة في سياق دولي مضطرب وارتفاع كلفة الاقتراض. كما تُوجَّه موارد معتبرة إلى برامج اجتماعية ودعم قطاعات حيوية، غير أن أثرها غالباً ما يكون موزعاً على نطاق واسع بما لا يخلق تحولاً سريعاً ومرئياً في مستوى دخل الأفراد.
الاقتصاد الاستخراجي بطبيعته كثيف رأس المال، لكنه محدود من حيث خلق فرص الشغل المباشرة مقارنة بحجمه المالي. أي أن مليارات الدراهم قد تتداول في حسابات الشركات والمؤسسات دون أن تمر بالضرورة عبر جيوب المواطنين. القيمة المضافة العالية تتحقق في سلاسل صناعية وتقنية، بينما يظل الأثر الاجتماعي رهين سياسات توزيع الثروة وآليات إعادة ضخ العائدات في الاقتصاد المحلي.
المفارقة أن المغرب يُعد من أكبر منتجي الفوسفاط عالمياً، ويستفيد من طلب دولي قوي على الأسمدة في ظل أزمات غذائية متكررة. ومع ذلك، يبقى النقاش الداخلي محتدماً حول العدالة المجالية والاجتماعية: هل تستفيد المناطق القريبة من المناجم بما يكفي؟ هل تنعكس عائدات التصدير على تحسين الخدمات العمومية من تعليم وصحة ونقل؟ أم أن الاقتصاد ما زال يعتمد على نموذج يركز الثروة في قطاعات محددة دون أن يحقق اختراقاً حقيقياً في معيشة الأسر؟
قراءة راديكالية للمعطيات تطرح إشكالاً أعمق: النمو الاقتصادي في حد ذاته لا يساوي بالضرورة تنمية شاملة. يمكن لقطاع أن يسجل نسب ارتفاع لافتة، وأن تتضخم أرقام الصادرات، دون أن يشعر المواطن العادي بتحسن مباشر، إذا لم تُترجم العائدات إلى سياسات دخل عادلة، وتحفيز حقيقي للمقاولات الصغرى، وتخفيف فعلي للعبء الضريبي، وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة.
المعضلة إذن ليست في وجود الثروة، بل في مسارات توزيعها وأولويات صرفها. وبينما تستمر صادرات الفوسفاط في تسجيل أرقام قياسية، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل هذه القوة المعدنية إلى قوة اجتماعية ملموسة. لأن السؤال الذي يردده كثيرون اليوم لم يعد عن حجم العائدات، بل عن نصيب المواطن منها، ومتى تتحول المليارات من أرقام في التقارير إلى تحسن فعلي في الحياة اليومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك