أنتلجنسيا:أبو آلاء
دخل أكثر من عشرة آلاف منتخب ومنتخبة مرحلة العد العكسي أمام واجب قانوني لا يقبل المناورة، بعدما باشر المجلس الأعلى للحسابات إجراءات تتبع 10 آلاف و615 ملزماً بتجديد التصريح الإجباري بممتلكاتهم خلال الشهر الجاري، في خطوة تعكس تشديداً غير مسبوق على بوابة من أهم بوابات تخليق الحياة العامة.
المعنيون بهذا الإجراء ينتمون أساساً إلى فئة منتخبي الجماعات الترابية وأعضاء الغرف المهنية، الملزمين بإيداع استمارات التصريح لدى المجالس الجهوية للحسابات المختصة، مع تحذير صريح من أي تلاعب أو إخفاء أو تحريف للمعطيات، تحت طائلة المتابعة القضائية. الرسالة هذه المرة واضحة: لا حصانة سياسية أمام التصريح بالممتلكات، ولا تساهل مع من يحاول الالتفاف على النصوص.
ويستند هذا المسار إلى مقتضيات القانون 54.06 المتعلق بإقرار التصريح الإجباري بالممتلكات، الذي يفرض على فئات محددة تجديد تصريحاتها الحقيقية بشكل دوري، عبر تعبئة استمارات دقيقة تشمل مختلف الأصول داخل المغرب وخارجه. الأمر لا يقتصر على العقارات المحفظة أو في طور التحفيظ أو غير المحفظة، بل يمتد إلى تفاصيل دقيقة تخص طبيعة كل عقار وأصله وتاريخ تملكه وموقعه وقيمته والحصة في ملكيته ومرجعه العقاري.
كما تشمل لائحة الممتلكات الواجب التصريح بها الأصول التجارية، والودائع البنكية، والسندات، والمساهمات في الشركات، والأموال المنقولة المتحصَّل عليها عن طريق الإرث، والعربات ذات المحرك، والقروض، والتحف الفنية والأثرية، والحلي والمجوهرات، وغيرها من القيم المنقولة، مع تحديد عتبة دنيا للتصريح عن كل صنف في 300 ألف درهم عند تاريخ الاقتناء. إنها جردة حساب شاملة تضع الذمة المالية للمنتخب تحت المجهر.
المعطيات تشير أيضاً إلى أن 551 منتخباً فقط ظلوا متخلفين عن الامتثال خلال سنتي 2024 و2025، غير أن قلة العدد لم تمنع توجيه إنذار أخير لهم بضرورة تسوية وضعيتهم داخل الأجل القانوني. فالقانون يمنح مهلة 60 يوماً من تاريخ التوصل بالإنذار، وفق المادتين 7 و11، قبل الانتقال إلى المرحلة الزجرية.
وفي حال استمرار الإخلال، يرفع الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات الأمر إلى السلطة الحكومية الوصية، ما يفتح الباب أمام عقوبات قد تصل إلى التوقيف المؤقت بقرار إداري أو العزل من العضوية بمرسوم معلل. أما إذا ثبت التلاعب أو الإدلاء بتصريحات غير صحيحة، فإن الملف يحال إلى القضاء المختص، مع إمكانية تطبيق مقتضيات الفصل 262 من القانون الجنائي، التي تنص على غرامات مالية تتراوح بين 3 آلاف و15 ألف درهم، إضافة إلى الحرمان من الترشح والتجريد النهائي من صفة منتخب.
تحليلياً، يتجاوز هذا الورش البعد الإجرائي ليحمل دلالات سياسية وأخلاقية عميقة. فالتصريح بالممتلكات ليس مجرد وثيقة إدارية، بل آلية لقياس مدى انسجام الثروة الخاصة مع المسؤولية العامة، وسداً وقائياً في وجه تضارب المصالح والإثراء غير المشروع. كما أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في ربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيداً عن الشعارات.
غير أن فعالية هذا النظام تظل رهينة بصرامة التتبع وشفافية المساطر وسرعة ترتيب الجزاءات عند الاقتضاء. فالتجارب السابقة أظهرت أن قوة النص القانوني لا تكفي وحدها، ما لم تُرفق بإرادة تطبيقية حازمة تجعل من التصريح بالممتلكات ثقافة مؤسساتية لا عبئاً موسمياً.
في المحصلة، يجد آلاف المنتخبين أنفسهم أمام لحظة حاسمة: إما الامتثال الكامل وتقديم صورة واضحة عن ذممهم المالية، أو المجازفة بمسار قد ينتهي بالتوقيف أو العزل أو حتى المتابعة القضائية. إنها معركة صامتة تدور في كواليس الاستمارات والجداول، لكنها تمس في العمق سؤال الثقة بين المواطن وممثليه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك