أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
لم يعد برنامج “فرصة” مجرد آلية لتمويل المبادرات الفردية، بل تحوّل في نظر كثير من الشباب إلى عنوان لخيبة أمل ثقيلة، بعد أن وُضع ضمن سلسلة مبادرات دعم التشغيل التي انتهت، بحسب منتقديها، إلى تعقيد أوضاع المستفيدين بدل إنقاذها.
في خضم هذا الجدل المتصاعد، أعلنت وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، يوم الثلاثاء، فتح باب الاستفادة من تأجيل سداد قروض الشرف لمدة سنة كاملة، داعية المعنيين إلى تقديم طلباتهم عبر المنصة الرسمية قبل 28 فبراير 2026.
وأوضح البلاغ الرسمي، أن حوالي أربعة آلاف مستفيد تقدموا بطلبات التأجيل منذ إطلاق هذا الإجراء، من أصل ما يقارب 21 ألف حامل مشروع مؤهل. رقم يكشف، من جهة، وجود إقبال ملموس، لكنه يطرح، من جهة أخرى، سؤالاً حادًا: لماذا يحتاج هذا العدد من الشباب إلى تجميد التزاماتهم المالية بعد فترة وجيزة من إطلاق مشاريعهم؟
الخيار الذي تتيحه الحكومة يقوم على تعليق سداد الأقساط لمدة سنة مع إعادة جدولة الديون، بما يسمح – وفق الرواية الرسمية – باستعادة الأنفاس ومواصلة النشاط في ظروف “أكثر ملاءمة”.
غير أن القراءة التحليلية تكشف أن مجرد اللجوء الجماعي إلى التأجيل يعكس اختلالات أعمق في بيئة تنزيل البرنامج: صعوبات في المواكبة، تأخر في صرف الدعم، هشاشة في التتبع، وربما مبالغة في تقدير قدرة المشاريع الناشئة على الصمود في سوق متقلبة.
الانتقادات لم تأت فقط من مواقع التواصل أو من شهادات شبابية غاضبة، بل وثّقها تقرير صادر عن وسيط المملكة، الذي سجل ارتفاعًا في عدد التظلمات المرتبطة بالبرنامج، خاصة بسبب رفض الإدارة تقديم الدعم لبعض حاملي المشاريع.
هذا الرفض، بحسب المعطيات، لم يكن قرارًا إداريًا عابرًا، بل ترتبت عنه أعباء مالية مباشرة على الشباب، من قبيل واجبات الكراء، والتحملات الضريبية، ورسوم الضمان الاجتماعي، في وقت كانوا ينتظرون ضخ الدعم الموعود.
هنا يتبدى التناقض الصارخ: برنامج صُمم لدعم المبادرة الفردية يتحول، في بعض الحالات، إلى عبء مالي يضاعف المخاطر بدل تقليصها. والتأجيل، رغم أهميته كإجراء تخفيفي، يبدو أقرب إلى مسكن مؤقت لأزمة بنيوية تتعلق بطريقة تصميم وتنفيذ سياسات دعم التشغيل.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كم عدد المستفيدين من مهلة السنة، بل ما إذا كانت هذه السنة ستُستثمر فعلاً لإصلاح أعطاب البرنامج، وتعزيز آليات المواكبة والمراقبة، وضمان عدالة وشفافية أكبر في منح الدعم.
لأن الرهان الحقيقي لا يكمن في إعادة جدولة الديون، بل في إعادة جدولة الثقة بين الدولة وشباب اختاروا المغامرة بمشاريعهم على أمل أن تتحول “فرصة” إلى انطلاقة، لا إلى اختبار قاسٍ للبقاء.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك