مليار يورو من "الكان" يفتح شهية الرهان الكبير على مونديال 2030

مليار يورو من "الكان" يفتح شهية الرهان الكبير على مونديال 2030
اقتصاد / الثلاثاء 27 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:فتيحة الوديع

أعادت الأرقام الرسمية التي كشفتها الحكومة حول العائدات المالية لتنظيم كأس إفريقيا للأمم بالمغرب إشعال النقاش حول حقيقة المكاسب الاقتصادية للتظاهرات الرياضية الكبرى، وحدود الرهان عليها كرافعة للتنمية. فحين تعلن السلطات أن بطولة قارية واحدة ضخت أكثر من مليار يورو في الاقتصاد الوطني، يصبح السؤال المطروح بإلحاح: هل نحن أمام نموذج تنموي قابل للاستدامة، أم مجرد انتعاشة ظرفية تُضخّم بالأرقام والخطاب المتفائل؟

وفق المعطيات الحكومية، فإن احتضان “الكان” لم يكن مجرد حدث رياضي عابر، بل مناسبة لتدفق مئات الآلاف من الزوار الأجانب، وانتعاش قطاعات السياحة والنقل والخدمات، وخلق آلاف فرص الشغل المؤقتة والمباشرة. هذا الخطاب يقدم التظاهرة باعتبارها استثماراً مربحاً، لا كلفة تنظيمية، ويضعها في خانة المشاريع الاستراتيجية التي تتجاوز زمن البطولة إلى ما بعدها.

لكن القراءة الاقتصادية الأعمق تكشف أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالمداخيل السريعة بقدر ما يرتبط بصورة المغرب ومكانته في السوق العالمية للاستثمار والسياحة. فتنظيم تظاهرات دولية كبرى يمنح البلد إشعاعاً نادراً، ويضعه في واجهة المنافسة مع دول أخرى على جذب الرساميل والسياح، خصوصاً في عالم تحكمه الصورة والثقة أكثر مما تحكمه الأرقام المجردة.

من هذا المنظور، تصبح البنيات التحتية، من طرق ومطارات وفنادق وملاعب، رأسمالاً طويل الأمد، شرط ألا تتحول إلى عبء مالي بعد نهاية الأضواء. هنا يبرز التحدي الأكبر: كيف يمكن ضمان استغلال هذه المنشآت على مدار السنة، وتحويلها إلى فضاءات منتجة، لا إلى “هياكل إسمنتية” تلتهم ميزانيات الصيانة دون مردودية واضحة؟

الرهان الذي تلوّح به الدولة اليوم يتجاوز “الكان” نحو أفق أكبر عنوانه مونديال 2030، حيث يتم تقديم التنظيم المشترك لكأس العالم كأداة لتسريع رؤية اقتصادية بعيدة المدى. الحديث هنا ليس فقط عن السياحة، بل عن مضاعفة الناتج الداخلي الخام، ورفع نسب النمو، وتحسين دخل الأسر، وتقليص الفوارق المجالية، وإدماج النساء بشكل أوسع في سوق الشغل. إنها وعود كبيرة بحجم الحدث العالمي المنتظر.

غير أن هذا الخطاب الطموح يطرح بدوره أسئلة محرجة: هل تكفي التظاهرات الرياضية لتحقيق قفزة اقتصادية نوعية؟ وهل ستصل ثمار هذه الاستثمارات فعلاً إلى عموم المغاربة، أم ستتركز في قطاعات محددة وجهات بعينها؟ ثم، إلى أي حد يمكن التعويل على “الزخم الرياضي” في ظل إكراهات اجتماعية واقتصادية مزمنة، من بطالة وغلاء معيشة وضغط على القدرة الشرائية؟

ما هو مؤكد أن فترة “الكان” أظهرت قدرة المغرب التنظيمية، وخلقت حركية اقتصادية واضحة في الفنادق والمقاهي والنقل الجوي والخدمات، ووفرت فرص شغل في مجالات التواصل والبناء وتنظيم التظاهرات. لكن الأثر الحقيقي سيُقاس بمدى تحويل هذا النجاح الظرفي إلى سياسة عمومية مستدامة، تجعل من الاستثمار في الرياضة وسيلة لإنتاج الثروة، لا مجرد واجهة للتسويق السياسي.

بين التفاؤل الرسمي والحذر التحليلي، يظل مونديال 2030 اختباراً حاسماً: إما أن يتحول إلى قاطرة تنموية حقيقية تضع المغرب في مصاف الاقتصادات الصاعدة، أو أن ينتهي كحدث عالمي لامع، يخلّف وراءه أرقاماً جميلة… وأسئلة ثقيلة حول من ربح فعلاً ومن دفع الكلفة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك