أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والدبلوماسية على الحكومة الإسبانية بسبب أزمة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها مدينة سبتة، كشفت صحيفة "إلباييس" الإسبانية، الذائعة الصيت، أن مدريد ماضية في التمسك بخيار التعاون مع المغرب، رافضة أي تغيير جذري في استراتيجيتها تجاه الرباط رغم الانتقادات المتزايدة من المعارضة وخبراء ودبلوماسيين أوروبيين.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن الحكومة الإسبانية ما تزال تجمع المعطيات المتعلقة بعبور نحو 80 ألف مهاجر إلى سبتة، وسط تزايد الأصوات التي تتهم المغرب بغض الطرف خلال اللحظات الحاسمة للأزمة.
غير أن دوائر القرار في مدريد لا ترى مبرراً لتغيير نهجها السياسي أو الدبلوماسي تجاه الجار الجنوبي، معتبرة أن الحفاظ على التعاون مع الرباط يبقى أولوية استراتيجية لا يمكن التفريط فيها.
ونقلت «إلباييس» عن مصادر حكومية إسبانية تأكيدها أن التعاون مع المغرب كان عاملاً أساسياً في إعادة عشرات الآلاف من المهاجرين خلال ساعات قليلة، مشددة على أن التحقيقات الجارية لم تتوصل إلى أدلة قاطعة تثبت تورط السلطات المغربية في تدبير الأزمة أو التسبب فيها بشكل مباشر.
كما ترى الحكومة الإسبانية أن ما حدث لا يرقى إلى وصفه بـ«الهجوم الهجين» طالما أن الرباط شاركت لاحقاً في عمليات إعادة المهاجرين والتعاون الأمني على الحدود.
ورغم هذا الموقف الرسمي، فإن موجة الانتقادات داخل الأوساط الدبلوماسية والسياسية الإسبانية تزداد اتساعاً.
فقد اعتبر عدد من السفراء السابقين والخبراء أن مدريد أظهرت قدراً مبالغاً فيه من التساهل مع المغرب خلال السنوات الأخيرة، داعين إلى اعتماد خطاب أكثر صرامة في التعامل مع الملفات الخلافية، خاصة بعد أزمة سبتة التي أعادت طرح أسئلة حساسة تتعلق بالسيادة والأمن والهجرة.
ومن بين أبرز الأصوات المنتقدة، برز الدبلوماسي الإسباني السابق خورخي ديزكايار الذي رأى أن المغرب قرأ الإشارات الإيجابية القادمة من مدريد باعتبارها علامة ضعف، محذراً من أن استمرار السياسة الحالية قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة مستقبلاً.
كما شدد مسؤولون سابقون في الخارجية الإسبانية على أن سياسة التهدئة التي اعتمدتها حكومة بيدرو سانشيز منذ سنة 2022 وصلت إلى حدودها القصوى وأصبحت بحاجة إلى مراجعة.
في المقابل، تدافع الحكومة الإسبانية عن خيارها، معتبرة أن أي مواجهة مفتوحة مع المغرب ستكون مكلفة للطرفين.
فالمملكة تعد شريكاً محورياً لإسبانيا في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة والطاقة والتبادل التجاري، وهو ما يجعل الحفاظ على قنوات التعاون أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للبلدين.
كما سلط تقرير «إلباييس» الضوء على الانقسام الأوروبي بشأن الأزمة، مشيراً إلى أن مدريد شعرت بخيبة أمل بسبب ما اعتبرته غياباً للتضامن الأوروبي معها، في وقت فضلت فيه عواصم أوروبية عديدة توجيه الانتقادات إلى الحكومة الإسبانية بدل تحميل المغرب مسؤولية ما وقع.
وترى السلطات الإسبانية أن رد الفعل الأوروبي تجاه أزمة سبتة كان مختلفاً تماماً عن الموقف الموحد الذي أظهره الاتحاد الأوروبي خلال أزمات حدودية سابقة في شرق القارة.
وتضيف الصحيفة أن المعارضة الإسبانية استغلت الأزمة لتوجيه ضربات سياسية قوية إلى حكومة سانشيز، متهمة إياها بسوء إدارة الملف الحدودي والعجز عن التحكم في تدفقات الهجرة، بينما يرى مراقبون أن الأزمة تحولت إلى ورقة انتخابية بامتياز مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة في إسبانيا.
وفي ختام تحليلها، تؤكد «إلباييس» أن الاتجاه الغالب داخل دوائر القرار الإسبانية لا يزال يميل إلى الحفاظ على الشراكة مع المغرب وعدم المغامرة بتفجير العلاقات الثنائية، حتى وإن ارتفعت الأصوات المطالبة بتشديد اللهجة وإعادة رسم قواعد التعامل مع الرباط.
وبين دعوات الحزم وخيار التهدئة، تبدو مدريد عازمة على تجاوز أزمة سبتة بأقل الخسائر الممكنة، مع الإبقاء على التعاون مع المغرب باعتباره ركيزة أساسية في سياستها الخارجية والأمنية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك