أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
حسمت نتائج الانتخابات التشريعية جزءاً من المعادلة السياسية، لكنها لا تنهي بالضرورة النقاش حول الشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة المقبلة، إذ سرعان ما ينتقل الاهتمام، بعد إغلاق صناديق الاقتراع، من هوية الحزب المتصدر إلى طبيعة المسار الدستوري الذي يقود إلى تعيين رئيس الحكومة، في ظل تداول أسماء وتقديرات سياسية وإعلامية متعددة.
ويحدد الفصل 47 من دستور المملكة الإطار الدستوري لهذه العملية، بعدما نص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى ضوء نتائجها، وهو المقتضى الذي يشكل المرجعية الأساسية لتدبير مرحلة ما بعد الانتخابات.
ولا يعني تصدر حزب معين للاستحقاق التشريعي، في المقابل، أن شخصية بعينها تصبح رئيساً للحكومة بصورة آلية بمجرد إعلان النتائج، إذ يحدد الدستور الحزب الذي يتم منه التعيين، بينما لا ينص على أن الشخصية المختارة يجب أن تكون بالضرورة الأمين العام للحزب أو رئيسه.
ويفتح هذا المقتضى، من الناحية الدستورية، المجال أمام تعيين شخصية تنتمي إلى الحزب المتصدر، حتى وإن لم تكن هي المسؤول الأول عنه، ما دام الاختيار يتم داخل الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وعلى ضوء نتائجها، وفقاً للمقتضيات الدستورية المنظمة للعملية.
ويبرز هذا المعطى بشكل خاص عندما تكون البنية القيادية للحزب المتصدر مختلفة عن الصيغ التقليدية للقيادة الحزبية، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعتمد حالياً صيغة قيادة جماعية تتصدرها منسقة وطنية، الأمر الذي يجعل مسألة التعيين منفصلة دستورياً عن فكرة الارتباط التلقائي بين رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة.
وتؤكد هذه القاعدة أن تحديد هوية رئيس الحكومة لا يخضع، من حيث المبدأ الدستوري، لمجرد التكهنات السياسية أو التسريبات الإعلامية، وإنما يمر عبر مؤسسة التعيين المخولة دستورياً، بعد ظهور نتائج انتخابات مجلس النواب.
ويستند هذا الاختصاص الملكي كذلك إلى المكانة التي يمنحها الدستور للملك، إذ ينص الفصل 42 على أن الملك، باعتباره رئيس الدولة وممثلها الأسمى، يسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، إلى جانب عدد من الاختصاصات المرتبطة بالمؤسسات الدستورية للدولة.
ويُظهر هذا الإطار أن المرحلة التي تلي الانتخابات لا تختزل في إعلان الحزب الفائز أو المتصدر، وإنما تبدأ معها مسطرة دستورية ومؤسساتية لها قواعدها واختصاصاتها المحددة، وهو ما يستدعي الفصل بين المعطيات المؤكدة وبين القراءات السياسية التي ترافق مرحلة الانتقال من نتائج الانتخابات إلى تشكيل الحكومة.
ويعيد هذا السياق أيضاً النقاش حول مدى إمكانية تعيين الأمين العام للحزب المتصدر، مقابل اختيار شخصية قيادية أخرى من الحزب نفسه، وهي مسألة سبق أن أثيرت في سياق النقاش الدستوري والسياسي المرتبط بتطبيق الفصل 47، ولا تجعل مقتضياته التعيين محصوراً صراحة في منصب الأمين العام.
وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر في الحالات التي لا يكون فيها المسؤول الحزبي الأول هو الشخصية الأكثر ارتباطاً بالعمل الحكومي أو بالمسار التنفيذي، إذ يبقى المعيار الدستوري المحدد هو انتماء الشخصية المعينة إلى الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب.
وتفرض هذه القواعد، في المقابل، التعامل بحذر مع الأسماء التي تبدأ في التداول مباشرة بعد الانتخابات، خصوصاً عندما تقدم بعض القراءات الإعلامية أو السياسية احتمال تعيين شخصية معينة باعتباره أمراً محسوماً، في حين أن المسار المؤسساتي لم يكتمل بعد.
وتشير المعطيات الدستورية، في النهاية، إلى أن صناديق الاقتراع تحدد الحزب المتصدر، بينما يحدد الدستور المسار الذي يلي إعلان النتائج، ويمنح الملك صلاحية تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، على ضوء النتائج التي أفرزها الاقتراع.
ويجعل هذا المقتضى من الفصل 47 المرجعية الأساسية لفهم مرحلة ما بعد الانتخابات، بعيداً عن التأويلات التي تربط بصورة آلية بين تصدر الحزب للانتخابات وبين شخص أمينه العام أو رئيسه، لأن النص الدستوري لا ينص على هذه الآلية التلقائية.
ويضع هذا الإطار حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات الأخيرة، أمام وضعية سياسية لافتة، بالنظر إلى طبيعة قيادته الحالية، إذ لا يجعل الدستور رئاسة الحكومة امتداداً آلياً لرئاسة الحزب، وإنما يربط التعيين بالحزب المتصدر ويترك الاختيار ضمن الاختصاص الملكي الذي حدده الفصل 47.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك