أنتلجنسيا:أبو جاسر
في تطور قد يفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل تدبير الشأن المحلي بالمغرب، كشفت معطيات رقابية عن مؤشرات مقلقة بشأن وجود ترتيبات مشبوهة بين منتخبين ورؤساء جماعات ترابية، يُشتبه في أنها استُخدمت للالتفاف على قوانين تضارب المصالح وتمرير صفقات وعقود لفائدة شركات مرتبطة بمسؤولين محليين أو بأشخاص مقربين منهم.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن لجان افتحاص تابعة للمجالس الجهوية للحسابات رصدت خلال عمليات مراقبة دقيقة امتدت إلى عدد من الجماعات الترابية بجهات مختلفة، أنماطاً متكررة في إسناد الصفقات العمومية وعقود الاستغلال، ما أثار تساؤلات قوية حول مدى احترام مبادئ الشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص.
واعتمد قضاة الحسابات، خلال عمليات التدقيق، على تتبع المسار الكامل للصفقات والعقود، بدءاً من إعداد دفاتر التحملات وإطلاق طلبات العروض، وصولاً إلى مراحل الإسناد والتنفيذ، حيث برزت مؤشرات على استفادة شركات بعينها بشكل متكرر داخل جماعات مختلفة، في مقابل استفادة شركات أخرى من عقود مماثلة في جماعات أخرى، ضمن ما يوصف بآلية تبادل غير معلنة للمصالح والامتيازات.
وكشفت عمليات المطابقة والتحليل المتعلقة بهوية الشركات الفائزة، وطبيعة المساهمين والمسيرين فيها، عن وجود روابط مهنية وعائلية تجمع بعض المسؤولين المحليين بمستفيدين من هذه العقود، وهو ما عزز الشبهات حول احتمال استغلال النفوذ وتوجيه الصفقات بعيداً عن قواعد المنافسة النزيهة.
ولم تتوقف الملاحظات الرقابية عند الصفقات التقليدية فقط، بل امتدت إلى عقود تدبير واستغلال مرافق جماعية حيوية تشمل الأسواق الأسبوعية والمجازر والمواقف الجماعية وفضاءات تجارية وخدماتية تدر مداخيل مهمة، حيث تم تسجيل اختلالات مرتبطة بضعف التبرير القانوني لاختيار بعض المتعاقدين، رغم وجود عروض اعتبرت أكثر جدوى من الناحية المالية والتقنية.
كما أثارت تقارير الافتحاص تساؤلات حول اعتماد أثمان استغلال وُصفت بالمتدنية مقارنة بالقيمة الحقيقية للمداخيل التي تحققها بعض المرافق العمومية، الأمر الذي تسبب في حرمان جماعات ترابية من موارد مالية مهمة، وطرح علامات استفهام بشأن المعايير المعتمدة في تحديد المقابل المالي لهذه العقود.
وفي السياق نفسه، أولت هيئات المراقبة اهتماماً خاصاً بمدى احترام المنتخبين لواجب التصريح بالمصالح، مع التدقيق في حالات مشاركة أعضاء داخل المجالس الجماعية في مداولات وقرارات يُحتمل أن تكون لهم فيها مصالح مباشرة أو غير مباشرة عبر شركات يمتلكونها أو من خلال مقربين منهم.
وامتدت التحقيقات كذلك إلى مراجعة محاضر لجان فتح الأظرفة وتقارير تقييم العروض وقرارات الإسناد، إلى جانب فحص التعديلات والملاحق التي أُدخلت على بعض العقود بعد توقيعها، وسط شبهات حول استفادة شركات محددة من امتيازات إضافية دون مبررات قانونية أو تقنية مقنعة.
وأمام خطورة المؤشرات المسجلة، أوصت الجهات الرقابية بتشديد المراقبة على الصفقات العمومية وعقود التدبير المفوض، وتفعيل آليات أكثر صرامة لرصد تضارب المصالح، مع فرض احترام صارم لواجب التصريح بالمصالح وتعزيز أنظمة الرقابة الداخلية داخل الجماعات الترابية.
وتتجه الأنظار الآن إلى المراحل المقبلة من هذا الملف الشائك، خصوصاً مع ترجيح إحالة بعض الملفات التي تتضمن مؤشرات على مخالفات جسيمة أو أفعال قد تكتسي طابعاً جنائياً على الجهات القضائية المختصة، في خطوة قد تفتح الباب أمام زلزال جديد داخل عدد من الجماعات الترابية، وتعيد إلى الواجهة ملف حماية المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك