أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
أعادت أحداث سبتة الأخيرة خلط الأوراق بين الرباط ومدريد، وفتحت نقاشاً واسعاً داخل الصحافة الإسبانية بمختلف توجهاتها السياسية، حول مستقبل واحدة من أكثر العلاقات حساسية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وبينما تحاول الحكومتان احتواء تداعيات الأزمة ومنع انزلاقها نحو مواجهة دبلوماسية مفتوحة، تجمع غالبية التحليلات الإسبانية على أن ما جرى لن يمر دون آثار عميقة على التعاون الأمني والسياسي والاقتصادي بين البلدين، حتى وإن حافظ الطرفان رسمياً على خطاب التهدئة.
ومنذ الساعات الأولى للأزمة، انشغلت كبريات الصحف الإسبانية بالسؤال نفسه: كيف تمكن عشرات الآلاف من الأشخاص من الوصول إلى سبتة في فترة زمنية قياسية؟
وفي الوقت الذي اعترفت فيه الحكومة الإسبانية بأنها لم تكن تتوقع حجم التدفق الذي شهدته المدينة، تصاعدت داخل الأوساط السياسية والإعلامية دعوات لمراجعة منظومة إدارة الحدود والعلاقة مع المغرب باعتباره الشريك الرئيسي لإسبانيا في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة الاتجار بالبشر.
وعلى المستوى الدبلوماسي، يبدو أن الأزمة وضعت العلاقات الثنائية أمام اختبار غير مسبوق. فبينما حرص رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على تجنب توجيه اتهامات مباشرة إلى الرباط، مؤكداً أن المغرب ما يزال حليفاً استراتيجياً لإسبانيا، ارتفعت أصوات داخل اليمين الإسباني وبعض المنابر الإعلامية المحافظة مطالبة بتشديد الموقف تجاه المغرب وإعادة تقييم بعض أسس الشراكة القائمة بين البلدين.
في المقابل، دافعت وسائل إعلام أخرى عن ضرورة الحفاظ على قنوات الحوار المفتوحة مع الرباط باعتبارها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه في تدبير ملفات الهجرة والأمن والطاقة والتجارة.
أما على المستوى الأوروبي، فقد تحولت سبتة إلى ملف ساخن داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وأثارت الأزمة انقسامات واضحة بين العواصم الأوروبية، بعدما وجهت بعض الحكومات انتقادات حادة إلى مدريد،
بينما عبرت دول أخرى عن تضامنها معها. هذا الوضع دفع سانشيز إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي بعقد اجتماع عاجل لمواجهة التداعيات السياسية والأمنية للأزمة، محذراً من أن الانقسامات الأوروبية لن تؤدي إلا إلى إضعاف الجبهة المشتركة أمام تحديات الهجرة غير النظامية.
وفي الجانب الأمني، تكاد الصحافة الإسبانية تجمع على أن الأزمة أعادت ملف التعاون الأمني المغربي الإسباني إلى صدارة الاهتمامات.
فطوال السنوات الماضية كان التنسيق بين الأجهزة الأمنية في البلدين يُقدَّم باعتباره نموذجاً ناجحاً في مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.
غير أن ما وقع في سبتة أثار تساؤلات واسعة داخل إسبانيا حول مدى قدرة هذا التعاون على الصمود أمام الأزمات المفاجئة، وحول الحاجة إلى تطوير آليات أكثر فعالية للإنذار المبكر والتنسيق الميداني.
وفي سياق متصل، سارعت السلطات الإسبانية إلى تعزيز وجودها الأمني والعسكري في سبتة، وتركيب حواجز بحرية جديدة وتكثيف المراقبة على طول الشريط الساحلي، في إجراءات فسرتها وسائل الإعلام الإسبانية بأنها رسالة موجهة للرأي العام الداخلي أكثر من كونها تغييراً جذرياً في السياسة الأمنية تجاه المغرب.
اقتصادياً، لا يتوقع معظم المحللين الإسبان حدوث قطيعة أو أزمة تجارية بين البلدين، نظراً لحجم المصالح المتبادلة.
فالمغرب يعد من أهم الشركاء الاقتصاديين لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، كما أن آلاف الشركات الإسبانية تنشط في السوق المغربية، بينما تشكل المبادلات التجارية بين الطرفين أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي في غرب المتوسط.
ومع ذلك، تحذر بعض المقالات والتحليلات من أن استمرار التوترات السياسية قد ينعكس سلباً على مناخ الثقة والاستثمار إذا لم يتم احتواء الأزمة بسرعة.
سياسياً، كشفت الأزمة هشاشة التوافق الداخلي الإسباني بشأن إدارة العلاقة مع المغرب. فقد استغلت أحزاب المعارضة، خصوصاً اليمين واليمين المتطرف، ما جرى لمهاجمة حكومة سانشيز واتهامها بالفشل في حماية الحدود،
بينما دافعت أحزاب اليسار عن ضرورة تجنب الخطاب التصعيدي والحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الرباط. وتؤكد الصحافة الإسبانية أن سبتة تحولت خلال أيام قليلة من ملف حدودي إلى سلاح في المعركة السياسية الداخلية قبل أشهر من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
كما أعادت الأزمة إلى الواجهة النقاش التاريخي المرتبط بسبتة ومليلية ومكانتهما في العلاقات المغربية الإسبانية.
فبينما تعتبر قطاعات واسعة من النخبة الإسبانية أن استقرار العلاقات مع المغرب ضرورة استراتيجية لا غنى عنها، ما تزال ملفات السيادة والهجرة والحدود تشكل عناصر توتر قابلة للانفجار في أي لحظة إذا غابت الثقة أو تراجعت قنوات الحوار بين الجانبين.
والخلاصة التي تكاد تجمع عليها الصحافة الإسبانية، رغم اختلاف توجهاتها، هي أن أحداث سبتة لن تؤدي على الأرجح إلى انهيار العلاقات المغربية الإسبانية، لكنها ستترك آثاراً عميقة على شكل هذه العلاقات في المستقبل.
فمدريد تدرك أن أمنها الحدودي مرتبط بدرجة كبيرة بالتعاون مع الرباط، والمغرب يعلم أن إسبانيا تظل بوابته الاقتصادية والسياسية الأهم نحو أوروبا.
وبين المصالح الاستراتيجية الضخمة وحسابات السياسة الداخلية وضغوط الاتحاد الأوروبي، تبدو الأزمة الحالية أقرب إلى جرس إنذار قوي للطرفين من كونها بداية قطيعة شاملة،
لكنها في الوقت نفسه كشفت أن أي خلل في ملف الهجرة يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى زلزال دبلوماسي وأمني وسياسي يمتد أثره من سواحل سبتة إلى قلب بروكسيل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك