من أزمة هجرة لسبتة إلى لغز سياسي مفتوح وهل تحولت موجة الـ70 ألف مهاجر إلى سلاح جيوسياسي لضرب "سانشيز"؟

من أزمة هجرة لسبتة إلى لغز سياسي مفتوح وهل تحولت موجة الـ70 ألف مهاجر إلى سلاح جيوسياسي لضرب "سانشيز"؟
ديكريبتاج / الجمعة 31 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات: تهنئه بمناسبه ذكرى عيد العرش المجيد

أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)

عندما اهتزت سبتة، على وقع تدفقات بشرية غير مسبوقة قُدرت بعشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين في ظرف زمني وجيز، لم يعد السؤال المطروح في إسبانيا مقتصراً على كيفية وصول هؤلاء إلى أبواب المدينة، بل تحول إلى سؤال أكثر تعقيداً وإثارة، من المستفيد الحقيقي مما جرى؟ وهل يتعلق الأمر فقط بأزمة هجرة جماعية، أم أننا أمام عملية ضغط جيوسياسية متعددة الأبعاد استهدفت حكومة بيدرو سانشيز في لحظة سياسية شديدة الحساسية؟

هذا السؤال لا توجد أدلة علنية تثبت إجابته بشكل قاطع، غير أن حجم الحدث وتوقيته والسياق الدولي المحيط به فتحا الباب أمام سيل من التأويلات والتحليلات السياسية داخل إسبانيا وخارجها.

فالرجل الذي تحول خلال الأشهر الأخيرة، إلى أحد أكثر الأصوات الأوروبية انتقاداً للحرب الإسرائيلية على غزة، وواجه علناً حكومة بنيامين نتنياهو، واتخذ مواقف اعتبرتها واشنطن وتل أبيب مزعجة وغير منسجمة مع التوجه الغربي التقليدي، وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة سياسية وأمنية تهدد مستقبله السياسي.

سانشيز ومواجهة غير مسبوقة مع تل أبيب وواشنطن

خلال الفترة الأخيرة، لم يكتف سانشيز بالدفاع عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بل اتخذت حكومته سلسلة قرارات أثارت غضب دوائر نافذة داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، من بينها التشدد في منع مرور أو رسو بعض الشحنات العسكرية المرتبطة بإسرائيل داخل الموانئ الإسبانية، إضافة إلى مواقف سياسية حادة تجاه العمليات العسكرية في غزة.

كما برزت تقارير إعلامية تحدثت عن تحفظات إسبانية بشأن بعض الترتيبات العسكرية المرتبطة بالشرق الأوسط، وهو ما جعل سانشيز يتحول إلى استثناء داخل المشهد الأوروبي.

اليمين الإسباني يدخل على الخط

في المقابل، تزامنت هذه المواقف المعلنة، مع تصاعد غير مسبوق لضغوط اليمين الإسباني والأوروبي عليه.

فحزب "فوكس" والتيارات المحافظة وجدت في أزمة سبتة فرصة ذهبية لمهاجمة رئيس الحكومة واتهامه بالفشل في حماية الحدود الإسبانية.

وعندما حل سانشيز بسبتة بعد اندلاع الأزمة، لم يكن الاستقبال سياسياً عادياً، بل تحول إلى منصة لرفع شعارات غاضبة ضده واتهامه بالتسبب في انهيار هيبة الدولة.

فرضيات حول أطراف خارجية مستفيدة

الأكثر إثارة أن بعض الأصوات القريبة من الحزب الاشتراكي الإسباني بدأت تتحدث عن وجود أطراف خارجية تستفيد من إضعاف سانشيز سياسياً، معتبرة أن ما جرى يتجاوز مجرد نشاط شبكات الهجرة السرية.

غير أن هذه القراءة تبقى في إطار التحليل السياسي ولا تستند إلى معطيات أو أدلة منشورة تثبت ضلوع أجهزة استخبارات أجنبية.

الرواية التي تتحدث عن دور مغربي

وفي الجهة المقابلة، ظهرت داخل إسبانيا رواية أخرى أكثر حساسية، تلمح إلى احتمال وجود دور مغربي في خلفية الأزمة.

أصحاب هذه القراءة يستندون إلى كون الرباط تمتلك تأثيراً مباشراً على ملف الهجرة والحدود، ويربطون ما وقع بالتقارب المغربي الإسرائيلي وبالعلاقات الاستراتيجية المغربية الأمريكية. لكن هذه الاتهامات لم تقدم بشأنها أي أدلة رسمية، كما أن السلطات المغربية لم تصدر أي موقف يدعم مثل هذه المزاعم.

التفسير المغربي للأحداث

في بعض الأوساط المغربية (خصوصا منها غير الرسمية وفي الصالونات المغلقة) أيضاً، ظهرت تفسيرات مغايرة تماماً، لما تم تداوله إلى حدود اللحضة.

فبعض المحللين، اعتبروا أن ما وقع قد يكون رد فعل سياسي غير مباشر على زيارة سانشيز الأخيرة للجزائر، خاصة في ظل الحساسية الكبيرة التي تحيط بالعلاقات المغربية الجزائرية وبملف الصحراء.

ووجد هذا الطرح، صدى واسعاً داخل أوساط اليمين الإسباني، الذي ظل لسنوات يحذر من الاعتماد المفرط على التعاون مع المغرب في ملفي الهجرة والأمن.

من ملف محلي إلى أزمة أوروبية

غير أن الانتقال السريع للأزمة، من حدث محلي إلى قضية أوروبية كبرى يثير بدوره علامات استفهام إضافية.

فخلال ساعات فقط دخلت فرنسا وألمانيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي على الخط، وارتفعت أصوات سياسية أوروبية، تتحدث عن ضرورة تشديد الرقابة على الحدود الجنوبية للقارة.

كما ظهرت دعوات متشددة تجاه إسبانيا، من بعض الأوساط اليمينية الأوروبية، في مشهد بدا وكأنه استثمار سياسي مباشر في الأزمة.

فرضية الموساد و"السي آي إيه"..بين الشكوك والوقائع

لكن رغم كل هذه المعطيات، تبقى فرضية تورط أجهزة مثل الموساد الإسرائيلي أو وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في صناعة أو توجيه هذه الأحداث مجرد فرضية سياسية غير مثبتة.

فلا توجد إلى حدود اليوم أي وثائق أو تحقيقات رسمية أو تسريبات موثوقة، تؤكد وجود عملية استخباراتية من هذا النوع.

وما يتوفر حالياً، هو مجموعة من القراءات التي تربط بين تضرر مصالح بعض القوى الدولية من مواقف سانشيز وبين الانفجار المفاجئ لأزمة الهجرة.

الهجرة كسلاح جيوسياسي

ومع ذلك، فإن التاريخ الحديث للعلاقات الدولية، يبين أن ملفات الهجرة والحدود تحولت في أكثر من مناسبة إلى أدوات ضغط جيوسياسي بين الدول، وأن الصراعات الكبرى لم تعد تدار فقط عبر الجيوش والأسلحة، بل أيضاً عبر الأزمات الاقتصادية والإعلامية والإنسانية.

السؤال الذي ما زال بلا جواب

لهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم، ليس فقط كيف وصل عشرات الآلاف إلى سبتة، بل أيضاً، من المستفيد من إضعاف بيدرو سانشيز في هذه اللحظة بالذات؟ ومن الرابح من تحويل أزمة محلية إلى زلزال سياسي يضرب إسبانيا والاتحاد الأوروبي معاً؟

وإلى أن تكشف التحقيقات الرسمية، كل الملابسات، سيظل ما حدث في سبتة محاطاً بكثير من الغموض، بين رواية تتحدث عن شبكات تهريب استغلت اليأس الاجتماعي، وروايات أخرى ترى في المشهد بصمات صراع جيوسياسي أكبر من حدود المدينة نفسها.

لكن ما يمكن الجزم به، هو أن اتهام أي دولة أو جهاز استخباراتي بالوقوف وراء الأحداث، يبقى حتى الآن، في نطاق التحليل والفرضيات السياسية وليس في نطاق الحقائق المثبتة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك