أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
تحولت المواجهة المرتقبة بين المنتخبين المغربي والهولندي في الأدوار الإقصائية لكأس العالم 2026 من حدث رياضي ينتظره ملايين المشجعين إلى ساحة جديدة للجدل السياسي، بعدما اختار زعيم اليمين المتطرف الهولندي Geert Wilders استغلال المناسبة لإعادة إطلاق خطابه المثير للانقسام تجاه المغاربة، في خطوة أثارت ردود فعل غاضبة وفتحت نقاشاً واسعاً حول حدود توظيف الرياضة في المعارك السياسية والانتخابية.
وأشعل السياسي الهولندي موجة من الانتقادات بعد نشر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ظهر فيها مرتدياً زي حكم كرة قدم وهو يشهر بطاقة حمراء في وجه لاعب مغربي، مرفقة بعبارة توحي بأن الأمور ستكون تحت السيطرة بالنسبة للجانب الهولندي.
غير أن كثيرين رأوا في الرسالة ما هو أبعد من مجرد دعابة رياضية أو تعليق عابر، معتبرين أنها امتداد لخطاب سياسي قائم منذ سنوات على استهداف المغاربة والمسلمين واستثمار قضايا الهوية والهجرة في تعبئة الأنصار وكسب النقاط السياسية.
ولم يكن هذا الجدل معزولاً عن السياق العام داخل هولندا، حيث تشكل الجالية المغربية واحدة من أكبر وأقدم الجاليات ذات الأصول المهاجرة في البلاد.
فبعد أكثر من نصف قرن من الحضور والمساهمة في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بات مئات الآلاف من المواطنين الهولنديين من أصول مغربية جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، غير أن الخطابات الشعبوية لا تزال تتعامل معهم باعتبارهم ورقة انتخابية جاهزة للاستعمال كلما اشتدت المنافسة السياسية.
ويرى متابعون أن اختيار مباراة تجمع المغرب وهولندا لم يكن اعتباطياً، بل يرتبط بحساسية خاصة تحملها هذه المواجهة داخل المجتمع الهولندي، حيث تتقاطع فيها اعتبارات الرياضة مع أسئلة الانتماء والهوية والاندماج.
فبالنسبة إلى عدد كبير من أبناء الجالية المغربية، لا يمثل تشجيع المنتخب المغربي تناقضاً مع انتمائهم إلى هولندا، غير أن الخطابات المتطرفة تحاول باستمرار تصوير الأمر وكأنه صراع بين ولاءين متعارضين.
ويأتي هذا التطور بعد أيام فقط من جدل آخر أثاره فيلدرز إثر تعليقه على صور لاعبي المنتخب المغربي وهم يحتفلون بأحد الأهداف، في واقعة اعتبرها منتقدوه استمراراً لمسار سياسي يقوم على استهداف الرموز المرتبطة بالمغاربة أو بالإسلام وتحويلها إلى مادة للاستقطاب السياسي والإعلامي.
ومنذ الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال قطر 2022، لم يعد "أسود الأطلس" مجرد منتخب وطني يمثل بلداً إفريقياً أو عربياً، بل تحول إلى رمز للفخر والنجاح بالنسبة إلى ملايين المغاربة وأبناء الجاليات المغربية المنتشرة في أوروبا.
وأصبح كل إنجاز رياضي يحمل أبعاداً تتجاوز حدود المستطيل الأخضر ليعكس قصص نجاح واندماج واعتزاز بالهوية في آن واحد.
ولهذا يرى مراقبون أن بعض التيارات الشعبوية تنظر بقلق إلى هذا الحضور الرمزي المتزايد، وتحاول تحويله إلى موضوع للصراع السياسي، ليس بسبب كرة القدم في حد ذاتها، بل بسبب ما تمثله من رمزية اجتماعية وثقافية لدى فئات واسعة من المواطنين ذوي الأصول المهاجرة.
وفي المقابل، أظهرت ردود فعل عديدة داخل هولندا رفضاً واضحاً لمحاولات خلط الرياضة بخطابات الكراهية والاستقطاب. فقد عبر سياسيون وإعلاميون ومواطنون عن استنكارهم لتحويل حدث رياضي عالمي إلى مناسبة لإعادة إنتاج الانقسامات المجتمعية، مؤكدين أن المنافسة الكروية يجب أن تبقى فضاءً للاحتفال والتقارب لا منصة لإحياء الأحكام المسبقة والصراعات الهوياتية.
وفي خضم هذا الجدل، تبدو مباراة المغرب وهولندا أكبر من مجرد تسعين دقيقة على أرض الملعب. فهي تكشف مرة أخرى كيف أصبحت الرياضة في بعض السياقات الأوروبية مرآة لصراعات سياسية وثقافية أعمق، وكيف يمكن لمباراة كرة قدم أن تفتح نقاشاً واسعاً حول المواطنة والتعددية والتعايش.
وبينما سيتحدد الفائز داخل المستطيل الأخضر بصافرة الحكم، يبقى التحدي الأكبر خارج الملعب: حماية قيم الاحترام والمساواة من الخطابات التي تحاول تحويل الرياضة إلى سلاح جديد في معارك الهوية والانقسام.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك