أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
في تحول دراماتيكي قد يغير موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود قادمة، أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى مذكرة تفاهم شاملة تضع حداً للحرب والتوترات العسكرية بين الطرفين، وتفتح الباب أمام مسار سياسي واقتصادي غير مسبوق يتضمن إنهاء العقوبات، وإعادة دمج طهران في الاقتصاد العالمي، وإطلاق خطة إعمار وتنمية ضخمة تقدر قيمتها بأكثر من 300 مليار دولار.
وتكشف بنود الاتفاق عن اختراق سياسي كبير بين خصمين ظلا لعقود على طرفي نقيض في واحدة من أكثر المواجهات تعقيداً على الساحة الدولية. فبموجب المذكرة، يلتزم الطرفان بوقف فوري ودائم لجميع العمليات العسكرية وعدم اللجوء إلى القوة أو التهديد بها مستقبلاً، مع تأكيد احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض.
ويحدد الاتفاق سقفاً زمنياً لا يتجاوز ستين يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي شامل، فيما تبدأ إجراءات التنفيذ الميداني مباشرة بعد التوقيع، من خلال رفع القيود البحرية المفروضة على إيران وإعادة فتح الممرات التجارية وحركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.
ويمنح الاتفاق طهران مكاسب اقتصادية هائلة، أبرزها الشروع في رفع العقوبات الأمريكية والدولية بشكل تدريجي، والسماح مجدداً بتصدير النفط الإيراني ومنتجاته البترولية، إضافة إلى الإفراج عن الأصول والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، وهو ما يمثل دفعة مالية غير مسبوقة للاقتصاد الإيراني الذي عانى سنوات طويلة تحت وطأة العقوبات والضغوط الاقتصادية.
وفي المقابل، جددت إيران التزامها بعدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، مع قبولها آليات رقابة وإشراف دولية على المواد المخصبة وبرنامجها النووي، في إطار تفاهمات يفترض أن تشكل أحد أهم محاور الاتفاق النهائي المرتقب. كما اتفق الطرفان على الحفاظ على الوضع القائم خلال المرحلة الانتقالية، بما يمنع أي تصعيد جديد أو فرض عقوبات إضافية أو توسيع للوجود العسكري في المنطقة.
ومن بين أكثر البنود إثارة للانتباه، تعهد واشنطن بالمساهمة في إعداد خطة تنموية واستثمارية ضخمة لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار لدعم الاقتصاد الإيراني وإعادة تأهيل بنيته الاقتصادية، وهو ما يعتبره مراقبون مؤشراً على رغبة أمريكية في الانتقال من منطق المواجهة والعقوبات إلى منطق الاحتواء الاقتصادي والشراكة المشروطة.
كما ينص الاتفاق على إنشاء آلية مشتركة لمراقبة التنفيذ وضمان احترام الالتزامات المتبادلة، على أن يتم تثبيت الاتفاق النهائي عبر قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي، بما يمنحه غطاءً قانونياً دولياً ويجعله جزءاً من المنظومة الأممية.
ويرى متابعون أن هذه المذكرة، إذا تحولت إلى اتفاق نهائي قابل للتنفيذ، لن تقتصر تداعياتها على العلاقة بين واشنطن وطهران فقط، بل ستمتد إلى مجمل التوازنات الإقليمية، من الخليج إلى شرق المتوسط، مروراً بأسواق الطاقة العالمية والممرات البحرية الاستراتيجية. فالاتفاق لا يضع حداً لمواجهة سياسية وعسكرية استمرت لعقود فحسب، بل يؤسس أيضاً لمرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات في منطقة ظلت لعقود عنواناً للصراعات والأزمات المفتوحة.
وهذا النض الكامل للاتفاق/مذكرة التفاهم الذي تم التوصل إليه يوم أمس الأربعاء 17 يونيو الجاري بين الطرفين:
الفقرة 1 – تعلن الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤهما في الحرب الدائرة، من خلال توقيع مذكرة التفاهم هذه، وقفا فوريا ودائما للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وتتعهد من الآن فصاعدا ألا تبادر إلى أي حرب أو أي عملية عسكرية بعضها ضد بعض، وأن تمتنع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها بعضها ضد بعض، وبضمان سلامة أراضي لبنان وسيادته. وسيؤكد الاتفاق النهائي الوقف الدائم للحرب على كل الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وعلى الأحكام الأخرى الواردة في هذه الفقرة.
الفقرة 2 – تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تحترم كل منهما سيادة الأخرى ووحدة أراضيها، وتمتنع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.
الفقرة 3 – تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتفاوض والتوصل إلى الاتفاق النهائي خلال مدة أقصاها 60 يوما، قابلة للتمديد بموافقة مشتركة.
الفقرة 4 – فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، ستباشر الولايات المتحدة الأمريكية إزالة حصارها البحري وأي إزعاجات أو عوائق مفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وستُنهي الحصار البحري بالكامل خلال 30 يوما. وخلال هذه الفترة، سيكون حجم حركة مرور السفن بما يتناسب مع أعداد حركة المرور التي كانت قائمة قبل الحرب، والتي ستُستعاد من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما تتعهد الولايات المتحدة الأميركية سحب قواتها من محيط الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال 30 يوما بعد الاتفاق النهائي.
الفقرة 5 – عند توقيع مذكرة التفاهم هذه، ستقوم الجمهورية الإسلامية الإيرانية باتخاذ الترتيبات، وبذل أفضل الجهود، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط، من الخليج إلى بحر عُمان، وبالعكس. وستبدأ حركة مرور السفن التجارية فورا، ومع الأخذ في الاعتبار الحاجة لإزالة العقبات الفنية والعسكرية وإزالة الألغام من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سيتم تفعيل هذه الحركة خلال 30 يوما. وستُجري الجمهورية الإسلامية الإيرانية حوارا مع سلطنة عُمان لتحديد إدارة الخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الساحلية الأخرى في الخليج الفارسي، بما يتماشى مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول المشاطئة لمضيق هرمز.
الفقرة 6 – تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين، بوضع خطة نهائية متفق عليها بصورة مشتركة لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار أمريكي لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وستُستكمل الآلية الخاصة بتنفيذ هذه الخطة كجزء من الاتفاق النهائي خلال 60 يوما. وستمنح الولايات المتحدة الأمريكية كل التراخيص والاستثناءات والأذونات المطلوبة لإجراء المعاملات المالية ذات الصلة.
الفقرة 7 – تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية إنهاء جميع أشكال العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأمريكية الأحادية، الأساسية والثانوية، وفقا لجدول زمني متفق عليه كجزء من الاتفاق النهائي. وتُقرّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية بالأهمية البالغة لمسألة إنهاء العقوبات المذكورة أعلاه، وتُعبران عن نيتهما معالجة هذه المسائل فورا في المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق متبادل بشأنها.
الفقرة 8 – تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجدداً أنها لن تسعى إلى حيازة أو تطوير أسلحة نووية. وقد اتفقت الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيران الإسلامية على تسوية مسألة التخلص من المواد المخصبة المخزنة، وذلك باتباع آلية يتم الاتفاق عليها بين الطرفين وفقا للجدول الزمني المذكور في الفقرة 7، على أن يكون الحد الأدنى من الألية هو تخفيف درجة تخصيب اليورانيوم في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما اتفق الطرفان على مناقشة مسألة التخصيب وغيرها من المسائل المتفق عليها والمتعلقة بالاحتياجات النووية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، استنادا إلى إطار عمل مُرضٍ يتم الاتفاق عليه في الاتفاق النهائي. وتُقرّ الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بالأهمية البالغة للقضايا النووية المذكورة أعلاه، وتُعبران عن نيتهما معالجة هذه القضايا فوراً في المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق متبادل بشأنها.
الفقرة 9 – بانتظار التوصل إلى الاتفاق النهائي، توافق الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإيرانية الإسلامية على الحفاظ على الوضع الراهن. وستحافظ الجمهورية الإيرانية الإسلامية على الوضع الراهن لبرنامجها النووي، ولن تفرض الولايات المتحدة الأمريكية أي عقوبات جديدة، ولن تنشر قوات إضافية في المنطقة.
الفقرة 10 – تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بأنه فور توقيع مذكرة التفاهم هذه، وحتى انتهاء العقوبات، ستقوم وزارة الخزانة الأمريكية بإصدار إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات البترولية والمشتقات وجميع الخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك التعاملات المصرفية والتأمين والنقل وما إلى ذلك.
الفقرة 11 – تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بإتاحة الأموال والأصول المجمدة أو الخاضعة لقيود، التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية للاستخدام الكامل فور تنفيذ مذكرة التفاهم هذه. وستتفق الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورة متبادلة على الإجراءات المتعلقة بالإفراج عن هذه الأموال خلال المفاوضات. كما يجب أن تصبح هذه الأموال، سواء بقيت في الحساب الأصلي أو جرى تحويلها، متاحة بالكامل للاستخدام في سداد المدفوعات لأي مستفيد نهائي يحدده البنك المركزي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار جميع التراخيص والتصاريح اللازمة لتحقيق ذلك.
الفقرة 12 – تتفق الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على إنشاء آلية تنفيذ لمراقبة التطبيق الناجح لمذكرة التفاهم هذه والامتثال المستقبلي للاتفاق النهائي.
الفقرة 13 – بعد توقيع مذكرة التفاهم هذه، ورهنا ببدء تنفيذ الفقرات1 و4 و5 و10 و11 منها، واستمرار تنفيذ هذه التدابير، ستبدأ الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مفاوضات بشأن الاتفاق النهائي حصرا في ما يتعلق بالفقرات الأخرى.
الفقرة 14 – يُعتمد الاتفاق النهائي بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك