أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
منذ اللحظات الأولى لانفجار أزمة العبور الجماعي نحو سبتة، بدا واضحا أن المعركة لم تكن فقط على الحدود أو في البحر أو عند الأسلاك الشائكة، بل كانت أيضا داخل غرف الأخبار واستوديوهات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي ومراكز صناعة الرأي العام.
هناك، حققت إسبانيا تقدما كاسحا، بينما ظهر المغرب غائبا أو شبه غائب، وكأن بلدا بحجم المغرب وموقعه الاستراتيجي، لا يملك رواية يشرح بها ما جرى للعالم.
لقد تحولت سبتة في ظرف ساعات إلى قضية دولية، حيث كانت القنوات الإسبانية تبث على مدار الساعة روايتها لما يجري ويدور.
وخصصت الصحف الكبرى، افتتاحيات وتحليلات ومواكبات ميدانية، والسياسيون الإسبان من اليمين واليسار خرجوا إلى الإعلام.
والجيش الإسباني ظهر في الميدان، أما الوزراء عقدوا الاجتماعات وأدلوا بالتصريحات، والبرلمان ناقش الموضوع. وحتى الأحزاب الأوروبية دخلت على الخط.
في المقابل، كان المشهد المغربي صادما...صمت رسمي طويل، غياب شبه كامل للتواصل السياسي، اختفاء المؤسسات الحكومية، إعلام عمومي يتابع الأحداث وكأنها تقع في قارة أخرى.
وقنوات رسمية، لم تتمكن من تقديم رواية مغربية متماسكة وقادرة على منافسة السردية الإسبانية التي اجتاحت العالم.
عندما تصنع إسبانيا الرواية ويكتفي المغرب بالمشاهدة
في الأزمات الكبرى لا ينتصر من يملك الحق فقط، بل ينتصر من يملك القدرة على تسويق روايته وإقناع الآخرين بها.
إسبانيا فهمت هذه القاعدة جيدا، لذلك سارعت منذ الساعات الأولى إلى تقديم نفسها كضحية لأكبر موجة هجرة جماعية في تاريخ سبتة.
وركزت الصور التي بثتها الصور القنوات الإسبانية، على الفوضى والضغط على المدينة والخوف وسط السكان والاستنفار الأمني والعسكري.
وتم تقديم الحدث، باعتباره أزمة إنسانية وأمنية تهدد الحدود الأوروبية، وتحولت سبتة في الخطاب الإعلامي الإسباني إلى خط الدفاع الأول عن أوروبا كلها.
هذه السردية وجدت طريقها بسرعة إلى وسائل الإعلام الأوروبية والدولية، التي نقلت الرواية الإسبانية كما هي تقريبا، بينما لم تجد أمامها رواية مغربية مضادة أو مفسرة أو حتى مختلفة.
وهكذا أصبحت إسبانيا هي المصدر الرئيسي للمعلومات والأرقام والصور والتحليلات، بينما تحول المغرب إلى مجرد موضوع تتحدث عنه وسائل الإعلام الأجنبية، دون أن يتحدث هو عن نفسه.
الدولة المغربية وإعلامها بجميع تلاوينه اختفت في أخطر لحظة
الأخطر من الغياب الإعلامي، كان الغياب السياسي والمؤسساتي، حيث أنه في أوقات الأزمات الكبرى تنتظر الشعوب والمؤسسات الدولية خطابا واضحا من الدولة، وتنتظر توضيحات وبيانات ومواقف ورسائل طمأنة.
لكن ما وقع خلال أزمة سبتة كشف فراغا كبيرا على مستوى التواصل الرسمي...فالحكومة لم تتمكن من قيادة النقاش العمومي.
وظلت المؤسسات المعنية، بعيدة عن واجهة الأحداث، ولم يظهر خطاب رسمي قوي يشرح للرأي العام الوطني والدولي خلفيات ما جرى وأسبابه وتداعياته.
هذا الفراغ لم يبق فارغا بطبيعة الحال، بل ملأته الروايات الإسبانية والتكهنات الأجنبية ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي عالم الاتصال الحديث، من لا يروي قصته بنفسه يترك الآخرين يكتبونها نيابة عنه.
الإعلام الرسمي خارج التغطية
أثبتت الأزمة مرة أخرى أن الإعلام العمومي المغربي، ما زال عاجزا عن التعامل مع الأزمات الكبرى بعقلية إعلام الدولة الحديثة.
ففي الوقت الذي كانت فيه القنوات الإسبانية، تنقل الأحداث مباشرة من الميدان وتستضيف الخبراء والمسؤولين وتنتج التحليلات والتقارير، بدا الإعلام الرسمي المغربي متأخرا وخجولا وغير قادر على صناعة الحدث أو التأثير فيه.
بل إن العديد من المغاربة أنفسهم، اضطروا إلى متابعة ما يجري في بلدهم عبر القنوات الإسبانية والوسائل الأجنبية، للحصول على المعلومات والصور والتطورات الميدانية.
وهي مفارقة خطيرة، تعني أن المواطن المغربي أصبح يتلقى رواية الآخرين عن بلده، أكثر مما يتلقى رواية بلده عن نفسه.
خسائر تتجاوز الحدود
الذين يعتقدون أن الأمر مجرد معركة إعلامية عابرة يخطئون في تقدير حجم الخسائر، فالسردية التي انتصرت في الإعلام الإسباني والأوروبي ستنعكس على ملفات عديدة، وستؤثر على صورة المغرب في الخارج، وعلى النقاشات المتعلقة بالهجرة داخل الاتحاد الأوروبي.
وستمنح كذلك، ذخيرة سياسية إضافية لأحزاب اليمين المتطرف، التي تبحث دائما عن مبررات لمهاجمة المغاربة والمهاجرين.
وقد تمتد آثارها إلى ملفات اقتصادية واستثمارية ودبلوماسية ورياضية، خصوصا في ظل محاولات بعض الأصوات الإسبانية الربط بين أزمة سبتة وملفات استراتيجية مثل مونديال 2030.
إن معارك الصورة اليوم ليست أقل أهمية من معارك السياسة والاقتصاد والأمن.
لماذا انتصرت السردية الإسبانية؟
والجواب بسيط ومؤلم في الوقت نفسه، فإسبانيا تمتلك إعلاما قويا ومؤثرا، ومتعدد الأصوات وقادرا على التحرك بسرعة، وتمتلك كذلك مؤسسات تتواصل بشكل دائم مع الرأي العام.
كما تدرك وأدركت الجارة الإيبيرية إسبانيا منذ زمن، أن الرأي العام الدولي أصبح جزءا من معادلات القوة الحديثة.
أما المغرب، فما زال يتعامل مع الإعلام في كثير من الأحيان باعتباره مجرد أداة للترويج أو التلميع، وليس باعتباره أحد أعمدة الأمن القومي، والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للدولة.
ولهذا السبب بالذات، وجدت المملكة المغربية نفسها في موقع رد الفعل بدل صناعة الفعل، وعاجزة عن مجاراة السردية الإسبانية
معارك المستقبل ستُحسم بالسرديات ومن يملك السردية يملك جزءا كبيرا من القوة
ما كشفته أزمة سبتة يتجاوز حدود هذه الواقعة المؤلمة، فالعالم يتغير بسرعة والحروب لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، حيث لم تعد الدول تتنافس فقط بالاقتصاد...وأصبح النفوذ يمر عبر القدرة على صناعة الرواية والتحكم في الصورة وإدارة الإدراك الجماعي.
ولهذا فإن المغرب أمام لحظة مراجعة حقيقية، ليس فقط لطريقة تدبير الأزمات، بل أيضا لطريقة بناء منظومته الإعلامية برمتها.
فالدول الكبرى تستثمر مليارات الدولارات في الإعلام والاتصال الاستراتيجي والدبلوماسية الرقمية، لأنها تدرك أن معارك القرن الحادي والعشرين تُحسم في الشاشات قبل أن تُحسم في الميدان.
وأزمة سبتة قدمت درسا قاسيا، مفاده أن المغرب لا يحتاج فقط إلى حدود قوية أو مؤسسات قوية أو اقتصاد قوي، بل يحتاج أيضا إلى إعلام قوي ومستقل واحترافي وقادر على الدفاع عن مصالح البلاد وصناعة روايتها الخاصة.
لأن من لا يملك روايته في زمن الحروب الإعلامية، محكوم عليه بأن يعيش داخل روايات الآخرين، وأن يدفع ثمنها سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا، مهما كانت حقيقة الوقائع على الأرض.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك