أنتلجنسيا المغرب:حمان ميقاتي/م.كندا
منذ إحداث المجلس الأعلى للحسابات سنة 1979 باعتباره جهازا
رقابيا وقضائيا ماليا أوكلت إليه مهمة السهر على حماية المال العام ومراقبة حسن
تدبير الأموال العمومية، ظل المغاربة ينظرون إليه باعتباره أحد أهم المؤسسات
القادرة على محاربة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة داخل مختلف
الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية.
وقد تعززت مكانة المجلس مع دستور 1996 قبل أن يحظى بموقع أكثر
قوة في دستور 2011 الذي منحه اختصاصات واسعة في مجال مراقبة المالية العمومية
وتقييم السياسات العمومية والتأكد من احترام قواعد التدبير المالي السليم، الأمر
الذي رفع سقف انتظارات المواطنين من هذه المؤسسة الدستورية.
وخلال ما يقارب نصف قرن من العمل المؤسساتي أصدر المجلس عشرات
التقارير التي تناولت اختلالات في التدبير المالي والإداري داخل قطاعات مختلفة
وكشفت عن تجاوزات وخروقات أثارت اهتمام الرأي العام وأعادت النقاش حول واقع تدبير
المال العام بالمغرب.
غير أن شريحة واسعة من المواطنين أصبحت تتساءل عن الأثر الحقيقي
لهذه التقارير على أرض الواقع، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات كبرى تتضمن أرقاما
ضخمة أو شبهات مرتبطة بهدر المال العام دون أن تترجم في كثير من الأحيان إلى
متابعات قضائية أو إجراءات زجرية يلمسها المواطن بشكل مباشر.
ويرى منتقدون أن المجلس الأعلى للحسابات لا ينبغي أن يقتصر دوره
على إصدار التقارير السنوية أو الدورية، بل يجب أن يكون حاضرا بقوة على مدار السنة
من خلال مراقبة مستمرة واستباقية لكل القطاعات التي تعرف تدبيرا للأموال العمومية،
سواء تعلق الأمر بالجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية أو البرامج الحكومية
الكبرى.
كما تثار تساؤلات متكررة حول الكلفة المالية لتشغيل هذه المؤسسة
مقارنة بحجم النتائج المحققة، بالنظر إلى ما تتطلبه من موارد بشرية عالية التأهيل
وتجهيزات إدارية وتقنية ووسائل نقل ومصاريف تشغيل مختلفة، وهو ما يدفع البعض إلى
المطالبة بإجراء تقييم موضوعي لمردودية المؤسسة منذ تأسيسها إلى اليوم.
ويعتبر كثير من المتابعين أن المجلس يتوفر على نخبة من القضاة
والخبراء المتخصصين في المالية والمحاسبة والتدقيق، ما يمنحه القدرة القانونية
والتقنية على اكتشاف الاختلالات وتتبعها وإحالة الملفات التي تستوجب ذلك على
الجهات القضائية المختصة.
وفي المقابل يلاحظ عدد من المواطنين أن بعض القضايا التي أثارت
جدلا واسعا داخل المجتمع لم تحظ بنفس الزخم الرقابي الذي انتظره الرأي العام، وهو
ما فتح الباب أمام تأويلات وتساؤلات بشأن معايير اختيار الملفات التي يتم التركيز
عليها وأخرى تبدو بعيدة عن دائرة الرقابة المكثفة.
وتزداد هذه التساؤلات كلما تعلق الأمر بملفات ذات حساسية
اقتصادية واجتماعية كبيرة تمس القدرة الشرائية للمواطنين أو ترتبط بتدبير مليارات
الدراهم من الأموال العمومية أو الدعم العمومي الموجه لقطاعات مختلفة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن
أن يكتمل إلا إذا شعر المواطن بأن جميع المسؤولين والمنتخبين والمسيرين يخضعون
لنفس مستوى الرقابة دون تمييز أو استثناء، وأن المال العام يتمتع بالحماية نفسها
مهما كانت الجهة أو الشخص المعني.
ومن جهة أخرى يؤكد متخصصون أن المجلس الأعلى للحسابات ليس سلطة
قضائية جنائية مستقلة عن باقي المؤسسات، بل يمارس اختصاصاته وفق ما يتيحه له
القانون، فيما تبقى صلاحيات البحث الجنائي والمتابعات القضائية من اختصاص جهات
أخرى داخل منظومة العدالة.
غير أن هذا التفسير القانوني لا يحد من حجم الانتظارات الشعبية
التي تراهن على هذه المؤسسة باعتبارها صمام أمان لحماية المال العام وكشف
الاختلالات التي قد تمس مصالح المواطنين أو تؤثر على جودة الخدمات العمومية.
كما أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب
تفرض تطوير آليات المراقبة وتعزيز الرقابة القبلية والآنية حتى لا تقتصر المهمة
على رصد الاختلالات بعد وقوعها، بل تمتد إلى منعها قبل أن تتحول إلى خسائر مالية
أو أضرار تمس المصلحة العامة.
ويطالب عدد من المهتمين بالشأن العام بمزيد من الجرأة في نشر
نتائج الافتحاصات وتوسيع دائرة التواصل مع الرأي العام حتى يطلع المواطنون بشكل
أدق على مآل الملفات التي يتم رصدها والإجراءات التي تم اتخاذها بشأنها.
ويرى آخرون أن نجاح أي مؤسسة رقابية يقاس بمدى قدرتها على
استرجاع الأموال المهدورة وردع المخالفين وتعزيز الثقة في المؤسسات، وليس فقط بعدد
التقارير أو الصفحات المنشورة سنويا مهما بلغت أهميتها.
ويبقى المجلس الأعلى
للحسابات مؤسسة دستورية محورية داخل منظومة الحكامة المغربية، غير أن حجم التحديات
المرتبطة بمكافحة الفساد وحماية المال العام يجعل الحاجة قائمة إلى تعزيز فعاليته
وتطوير أساليب اشتغاله بما ينسجم مع تطلعات المواطنين الذين ينتظرون رقابة أكثر
حضورا ومحاسبة أكثر وضوحا وصرامة في مواجهة كل أشكال سوء التدبير وهدر الأموال
العمومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك