أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم تعد مشاهد الجرافات وهي تقتلع بيوت حي عسكري بمراكش مجرد “إعادة هيكلة عمرانية”، بل تحولت إلى ملف ثقيل يضع الدولة في قلب مساءلة مباشرة حول قرارات تُنفذ بسرعة لافتة وتخلّف وراءها أسرًا مهددة بالتشرد، وسط أسئلة متزايدة عن الخلفيات الحقيقية والجهات المستفيدة من هذا المسار.
في هذا السياق، رفعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان صوتها عالياً مطالبة بفتح تحقيق قضائي شفاف ومستقل في ما وصفته بانتهاكات ميدانية رافقت عمليات الهدم والترحيل داخل حي يوسف بن تاشفين، معتبرة أن ما يجري يتجاوز مجرد تدبير إداري إلى اختلالات خطيرة قد تكون مرتبطة بملفات العقار والتعمير.
النداء الحقوقي لم يكتف بالتشخيص، بل طالب بوقف فوري لهذه العمليات التي طالت ساكنة الحي، والدفع نحو استئناف مساطر التمليك التي كانت قائمة وفق أطر قانونية سابقة، مع جبر الضرر الذي لحق بالأسر، وتعويضها عن سنوات من التهميش والإهمال، وضمان حقها في السكن اللائق كحق دستوري لا يقبل التأجيل.
غير أن خطورة الملف تتضاعف بالنظر إلى طبيعة الفئات المتضررة، التي تضم في جزء كبير منها عسكريين متقاعدين، قدماء محاربين، وأرامل وذوي حقوق، وهي فئات ارتبطت تاريخياً بخدمة الدولة، لتجد نفسها اليوم في مواجهة قرارات قد تضعها خارج أي غطاء اجتماعي أو سكني، في مشهد يطرح مفارقة صادمة بين الواجب الوطني والمآل الاجتماعي.
الوضع داخل الحي، بحسب المعطيات المتوفرة، لم يعد يحتمل، حيث تعيش الساكنة تحت ضغط نفسي خانق نتيجة الهدم المتواصل وفقدان الاستقرار، إلى جانب ظروف بيئية مقلقة، مع انتشار الأتربة والركام، واختلال شبكات الصرف الصحي، ما ينذر بمخاطر صحية حقيقية، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
الأزمة امتدت أيضاً إلى الجانب التعليمي والإداري، إذ يجد أطفال وتلاميذ أنفسهم عاجزين عن استكمال مسارهم الدراسي بسبب صعوبات في الحصول على الوثائق الأساسية، فيما يواجه مترشحون للامتحانات ومتدربون في التكوين المهني عراقيل إدارية تهدد مستقبلهم، في انعكاس مباشر لفوضى التدبير التي ترافق هذه العمليات.
وفي خضم هذا الوضع، تتجه أصابع الاتهام نحو غياب دور المجالس المنتخبة في ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، من نظافة وإنارة وصيانة، مقابل تسريع وتيرة الهدم، ما يثير تساؤلات حادة حول ترتيب الأولويات، ولماذا تُعطى الأسبقية لإفراغ المجال بدل تأهيله وتحسين ظروف العيش داخله.
القضية لم تعد فقط قضية حي أو مدينة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى احترام الدولة لالتزاماتها الاجتماعية والقانونية، حيث يتصاعد النقاش حول الأهداف الكامنة وراء هذه العمليات: هل هي إعادة تنظيم حضري مشروع، أم إعادة توزيع صامتة للعقار لفائدة جهات معينة؟ ولماذا يتم تنفيذها بهذا الشكل الذي يضع الأسر أمام الأمر الواقع دون بدائل واضحة؟
بين الجرافات التي لا تتوقف، والأسر التي تفقد مأواها، يبقى السؤال معلقاً: من يتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا المسار، ومن سيضمن ألا يتحول الحق في السكن إلى ضحية جديدة في معادلة التعمير؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك