أنتلجنسيا:أبو آلاء
في مشهد يعيد طرح الأسئلة الثقيلة حول ما يجري خلف جدران المؤسسات الأمنية، خرجت النيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء لتعلن إغلاق ملف وفاة شخص كان قيد البحث، بعدما انتهت التحقيقات إلى ترجيح فرضية إلقائه لنفسه من نافذة بالطابق الرابع داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في رواية رسمية وُصفت بأنها نهائية، لكنها فتحت في المقابل باباً واسعاً للنقاش العمومي.
المعطيات التي قدمها البلاغ تفيد بأن التحقيق الذي فُتح عقب الحادث شمل الاستماع إلى عناصر الشرطة المكلفين بالبحث، إلى جانب إنجاز معاينات ميدانية دقيقة، والاستعانة بتقنيي مسرح الجريمة، وتحليل تسجيلات كاميرات المراقبة المثبتة داخل المقر. هذه الإجراءات، بحسب المصدر نفسه، خلصت إلى تأكيد أن المعني بالأمر سقط نتيجة إقدامه على رمي نفسه من نافذة المكتب، وهو ما تسبب له في إصابات خطيرة أودت بحياته لاحقاً داخل المستشفى.
التحقيقات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ شملت أيضاً تشريح الجثة من طرف لجنة طبية متخصصة، والتي أكدت أن الوفاة نجمت عن إصابات متعددة وكسور خطيرة ونزيف داخلي، تتماشى مع فرضية السقوط من علو. كما أظهرت التحاليل المخبرية غياب أي مواد غير طبيعية في جسم الهالك، في حين كشفت الخبرات التقنية المتعلقة بمسرح الواقعة أن الآثار البيولوجية المسجلة تعود إليه وحده، دون وجود مؤشرات على تدخل طرف آخر.
بناءً على هذه الخلاصات، قررت النيابة العامة حفظ القضية لعدم وجود شبهة جنائية، معتبرة أن ما وقع لا يندرج ضمن أفعال تستوجب المتابعة القضائية. غير أن هذا القرار، رغم استناده إلى مسار تحقيقي متعدد الجوانب، يضع الرأي العام أمام تساؤلات حارقة تتجاوز التفاصيل التقنية إلى جوهر الثقة في المؤسسات.
فالقراءة الراديكالية لهذا الملف لا تتوقف عند حدود الرواية الرسمية، بل تطرح إشكالية أعمق تتعلق بظروف الاحتجاز والتحقيق داخل المقرات الأمنية، ومدى توفر الضمانات الكافية لحماية الأفراد، خاصة في حالات يكون فيها الشخص تحت سلطة جهة رسمية. كما أن إغلاق الملف بهذه السرعة النسبية، رغم حساسيته، يعيد إلى الواجهة النقاش حول استقلالية التحقيقات عندما تكون المؤسسة المعنية جزءاً من الوقائع.
في المحصلة، قد تكون القضية قد أغلقت قانونياً، لكن تداعياتها الرمزية لا تزال مفتوحة، حيث يتحول كل حادث من هذا النوع إلى اختبار جديد لميزان الشفافية والمساءلة، في سياق يتزايد فيه طلب المجتمع على الوضوح بدل الاكتفاء بالروايات الجاهزة. وبين ما تقوله التقارير وما يتداوله الرأي العام، يبقى السؤال معلقاً: هل انتهى الملف فعلاً، أم أن الحقيقة الكاملة ما زالت تبحث عن نافذة أخرى للخروج؟
وهذا النص الكامل لبلاغ النيابة العامة كما تحصلت الجريدة على نسخة منه:
المملكة المغربية
محكمة الاستئناف
النيابة العامة
بلاغ الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء
بناء على البلاغ الصادر عن هذه النيابة العامة بتاريخ 19 فبراير 2026، والذي تم بمقتضاه إشعار الرأي العام حول إقدام شخص كان موضوع بحث قضائي على القفز من نافذة بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، الأمر الذي نتج عنه تعرضه لإصابات بليغة توفي على إثرها بالمستشفى.
يُعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أن النيابة العامة كان قد سبق لها أن أمرت بفتح بحث قضائي معمق في هذه الواقعة، عُهد القيام به للمصلحة الولائية للشرطة القضائية بمدينة الدار البيضاء، تعزيزاً لضمانات إجراء الأبحاث بشكل محايد ومستقل.
ولقد شمل البحث الاستماع إلى عناصر الشرطة الذين كانوا مكلفين بالبحث مع الهالك بالفرقة الوطنية للشرطة القضائية. كما تم القيام بالمعاينات اللازمة من طرف تقنيي مسرح الجريمة، وأخذ العينات اللازمة، بالإضافة إلى تفريغ كاميرا المراقبة المتواجدة بفناء مقر الفرقة المذكورة، حيث خلصت الأبحاث إلى أن الهالك ألقى بنفسه من نافذة المكتب بالطابق الرابع المتواجد بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وهو الوضع الذي يؤكده تفريغ كاميرا المراقبة، وأن ذلك تسبب له في إصابات جد بليغة كانت هي السبب في الوفاة. وهي النتيجة التي أكدها تقرير التشريح الطبي الذي أُجري على جثة الهالك من طرف لجنة طبية ثلاثية مكونة من أطباء اختصاصيين في الطب الشرعي، حيث خلص التقرير إلى أن الوفاة ناتجة عن مضاعفات جراء إصابات الهالك بعدة رضوض مع كسور متعددة على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخذ، مع وجود نزيف سحائي، وأن تعدد الإصابات تتوافق مع واقعة إلقاء الهالك بجسده من النافذة.
كما أبانت الخبرة على العينات المأخوذة من دم الهالك، ومن محتوى معدته وبوله، عن عدم وجود أي مواد كيميائية أو حيوية خارجة عن الجسم.
كما خلصت أيضاً الخبرة العلمية والتقنية على الأغراض التي عُثر عليها بمكان سقوط الهالك، ومقارنتها مع الآثار البيولوجية المتعلقة بها، إلى وجود نمط وراثي واحد يخص الهالك فقط، دون أن يتم رصد أي نمط وراثي لغيره، مما ينسجم مع ما خلصت إليه الأبحاث بشأن واقعة إلقاء المعني بالأمر لنفسه من الطابق الرابع.
وبناء على نتائج هذه الأبحاث، قررت النيابة العامة حفظ المسطرة لانتفاء العنصر الجرمي.
الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك