أنتلجنسيا:أبو جاسر
فجّرت سعاد براهمة، رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، موقفاً نارياً من طريقة تعاطي السلطات مع احتجاجات ما بات يعرف بـ“حراك جيل زد”، معتبرة أن ما يجري ليس سوى انعكاس مباشر لأزمة بنيوية عميقة، وأن الرد الرسمي اختار المقاربة الأمنية بدل فتح نقاش سياسي واجتماعي جدي حول مطالب الشباب. كلام براهمة جاء خلال ندوة حقوقية عن بعد نظمتها اللجنة الوطنية لمساندة عائلات ضحايا قمع الحراك مساء 20 فبراير، في تاريخ قالت إنه ليس اعتباطياً، بل يستحضر محطة مفصلية في الذاكرة الاحتجاجية المغربية.
بحسب المتحدثة، فإن الاحتجاجات الأخيرة ليست انفجاراً معزولاً ولا مؤامرة كما يروَّج لها، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من السياسات التي وصفتها بغير الشعبية وغير الديمقراطية. وربطت بين خروج الشباب اليوم وسياق سابق انطلق مع حركة 20 فبراير، حين رفع المحتجون شعارات الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، قبل أن تعرف تلك المرحلة ما اعتبرته التفافاً على جزء من المطالب وتراجعاً عن مكتسبات، الأمر الذي أعاد إنتاج شروط الأزمة نفسها التي ستظهر لاحقاً في حراك الريف سنة 2017، لتعود اليوم في صيغة شبابية جديدة بأدوات تنظيم مختلفة.
تحليلياً، تضع براهمة حراك “جيل زد” داخل مشهد أزمة مركبة: تعليم عمومي متراجع، منظومة صحية مختلة، بطالة مستفحلة في صفوف الشباب، غلاء معيشة يقابله ضعف الأجور، واستمرار مظاهر الفساد والمحسوبية. وترى أن الشباب الذين نزلوا إلى الشارع هم أبناء هذه الاختلالات وأول من دفع كلفتها الاجتماعية والنفسية، ما يجعل احتجاجهم تعبيراً عن اختناق اجتماعي أكثر منه حدثاً ظرفياً.
اللافت في هذا الحراك، وفق القراءة نفسها، أنه شبابي خالص من حيث المبادرة والتنظيم، مع اعتماد مكثف على أدوات رقمية حديثة ومنصات تواصل مثل “ديسكورد”، في مؤشر على تحول عميق في أشكال الفعل الاحتجاجي لدى الأجيال الجديدة. كما أن رفض وساطة الأحزاب والنقابات في البداية يكشف، بحسب براهمة، عن أزمة ثقة حادة في الفاعلين التقليديين، وهي أزمة لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها بتعالٍ.
غير أن النقطة الأكثر حدة في خطابها تمثلت في توصيفها لطبيعة الرد الرسمي، الذي اعتبرته أمنياً صرفاً. فقد تحدثت عن آلاف الموقوفين في عشرات المدن، ومئات القاصرين، ومتابعات في حالة اعتقال، وأحكام وصفتها بالثقيلة بلغ مجموعها مئات السنين سجناً وصلت في بعض الحالات إلى 15 سنة، إضافة إلى حالات وفاة قالت إن ملابساتها لم تكشف بالكامل رغم الشكايات المقدمة. وترى أن هذا المسار حوّل الاحتجاج من حق دستوري إلى ملف جنائي، ومن تعبير سياسي إلى قضية أمام المحاكم.
في هذا السياق، اعتبرت براهمة أن اللجوء إلى القوة المفرطة وإصدار أحكام غير منصفة، حسب توصيفها، يعكس اختيار الردع بدل الحوار، بل ويعبر عن عجز سياسي عن استيعاب مطالب اجتماعية مشروعة. فالدولة التي تواجه مطالب بالصحة والتعليم والشغل والعيش الكريم عبر الاعتقالات، تقول، تكشف هشاشة نموذجها التنموي أكثر مما تحمي هيبته.
الراديكالية في الطرح لم تتوقف عند نقد السلطة، بل امتدت إلى مساءلة الفاعلين السياسيين والنقابيين والحقوقيين أنفسهم. إذ تساءلت عن موقعهم في بدايات الاحتجاجات، معتبرة أن تراجع الفعل الجماعي المنظم وتردد الأحزاب وتأخر النقابات يساهم في عزل الشباب وتركهم في مواجهة مباشرة مع آلة الدولة. وعندما يُعزل الاحتجاج، تضيف، يصبح قمعه أسهل.
كما حذرت من خطر التطبيع مع القمع، حين تتحول الاعتقالات إلى خبر عابر، والأحكام إلى أرقام، والوفيات إلى أسماء بلا صدى. فالأخطر من القمع نفسه، في نظرها، هو الاعتياد عليه، لأنه يوسع دائرته ويخفض منسوب الحساسية تجاهه. ومن هنا دعت إلى توثيق منهجي للانتهاكات، وتوفير دعم قانوني ومعنوي مستمر للموقوفين وعائلاتهم، وبناء جسور ثقة حقيقية مع الأجيال الجديدة بعيداً عن الوصاية.
في خلاصة موقفها، لا ترى براهمة أن الأزمة يمكن أن تُحل عبر المحاكم والسجون، بل عبر مقاربة سياسية واجتماعية وديمقراطية تعالج جذور الاختلال. وتعتبر أن الدفاع عن شباب الحراك ليس دفاعاً عن فئة محددة، بل عن المجال العام نفسه وعن الحق الجماعي في التغيير. وبين مقاربة أمنية تراهن على الردع، ودعوات حقوقية تراهن على الحوار وبناء جبهة ديمقراطية واسعة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تختار الدولة إدارة الغضب أم تفكيك أسبابه؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك