أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
على بعد يومين أو ثلاثة من حلول شهر رمضان، يتحول السوق المغربي إلى ساحة صدمة مفتوحة، حيث تقف الأسر مذهولة أمام أرقام غير مسبوقة لأسعار اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك، في مفارقة صارخة لبلد يطل على واجهتين بحريتين ويزخر بأراضٍ فلاحية شاسعة كان يفترض أن تجعله في منأى عن هذا النزيف اليومي لجيوب المواطنين. بدل أن يكون رمضان موسماً للتكافل والطمأنينة، أصبح عنواناً للضغط والقلق والتقشف القسري.
اللحوم الحمراء حلّقت إلى مستويات قياسية جعلتها بعيدة عن متناول فئات واسعة، والدواجن التي كانت توصف سابقاً بـ”ملاذ الفقراء” لم تعد كذلك، فيما قفزت أسعار الأسماك بشكل يثير السخرية السوداء: كيف لبلد يُعد من أكبر منتجي ومصدري السمك أن تصبح فيه السردين رفاهية موسمية؟ وكيف تتحول موائد المغاربة إلى رهينة مضاربات لا ترحم، في وقت تتحدث فيه الأرقام الرسمية عن وفرة الإنتاج وتنوع العرض؟
الواقع أن ما يجري ليس مجرد “اختلالات ظرفية” كما تروج لذلك الخطابات الرسمية، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واضحة، تتحمل فيها الحكومة والدولة مسؤولية كاملة، سواء بسبب ضعف المراقبة أو بسبب ترك الأسواق في قبضة لوبيات الاحتكار والشناقة الذين يحكمون قبضتهم على مسارات التوزيع من الضيعات والموانئ إلى المجازر والأسواق الشعبية. هؤلاء لا يظهرون في الواجهة، لكنهم حاضرون بقوة في كل قفزة سعرية، مستفيدين من غياب الشفافية ومن هوامش ربح مفتوحة بلا سقف.
المغاربة اليوم لا يسألون عن نظريات العرض والطلب، بل عن معنى السيادة الغذائية في بلد يفاخر بمخططات فلاحية كبرى واستراتيجيات بحرية طموحة. ما جدوى ملايين الأطنان من الإنتاج إذا كانت القدرة الشرائية تنهار؟ وما قيمة الأرقام القياسية في التصدير إذا كان المستهلك المحلي آخر من يستفيد؟ لقد تحوّل السوق إلى فضاء غير متوازن، تُحمى فيه الأرباح أكثر مما تُحمى القدرة الشرائية، وتُصان فيه مصالح الوسطاء أكثر مما تُصان كرامة الأسر.
اقتراب رمضان يكشف هشاشة السياسات العمومية في مواجهة المضاربات الموسمية، إذ يتكرر المشهد كل سنة تقريباً: وعود بالرقابة، لجان مختلطة، تصريحات مطمئنة، ثم انفلات في الأسعار بمجرد ارتفاع الطلب. المواطن البسيط هو من يدفع الفاتورة دائماً، بينما تستمر حلقات الوساطة غير المنظمة في تحقيق أرباح استثنائية، في غياب آليات صارمة لضبط السوق أو تسقيف الأرباح أو حماية المستهلك بشكل فعلي.
إن تحميل المسؤولية للـ“سوق” وحده لم يعد مقنعاً. الدولة هي من تضع القواعد، والحكومة هي من تملك أدوات التدخل، وإذا كانت هذه الأدوات لا تُفعَّل بالصرامة المطلوبة، فإن النتيجة الطبيعية هي ما نعيشه اليوم: غلاء مهول، احتقان اجتماعي صامت، وشعور عام بأن الأولوية لم تعد للعدالة الاجتماعية بقدر ما هي لتوازنات تحمي كبار الفاعلين.
رمضان يطرق الأبواب، ومعه تتضاعف حاجيات الأسر، لكن الثابت أن القدرة الشرائية تتآكل بوتيرة أسرع من أي وقت مضى. في بلد يملك بحرين وأراضي فلاحية شاسعة، لا يمكن أن يكون الغلاء قدراً محتوماً، بل هو خيار سياسي واقتصادي تتحمل مسؤوليته كاملة حكومة سمحت للوبيات الاحتكار والشناقة بأن يتحكموا في قوت المغاربة، تاركة المواطن وحيداً في مواجهة سوق بلا رحمة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك