أنتلجنسيا:أبو جاسر
بعد مرور نصف عقد على تسليم خلاصات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، يعود السؤال بقوة، ماذا تحقق فعلاً؟
فالمشروع، الذي قُدّم سنة 2021 باعتباره تعاقداً اقتصادياً واجتماعياً جديداً، وُضع يومها في مرتبة “المنعطف التاريخي” القادر على إنهاء أعطاب نموذج استنفد طاقته، وإطلاق دينامية نمو عادلة ومولِّدة للثروة وفرص الشغل.
لكن المسافة بين النص والواقع اتسعت بشكل يثير القلق، ويضع الحكومة والدولة أمام مساءلة مباشرة حول مآل ورش استراتيجي رُفعت بشأنه سقوف غير مسبوقة من الانتظارات.
المؤشرات المتقاطعة خلال السنوات الأخيرة تعكس مفارقة واضحة: استقرار ماكرو-اقتصادي نسبي، مقابل عجز عن تحويله إلى إقلاع اقتصادي شامل.
النمو ظل دون العتبة الكفيلة بامتصاص البطالة، وسوق الشغل لم يستوعب الأعداد المتزايدة من الوافدين الجدد، فيما بقي الأثر الاجتماعي للإصلاحات محدوداً قياساً بالرهانات المعلنة.
تشخيص دقيق وجرأة سياسية غائبة
خبراء في السياسات العمومية يجمعون على أن الإشكال لم يكن في جودة التشخيص الذي قدمه النموذج، بل في ضعف الإرادة السياسية لتحويل توصياته إلى قرارات ملزمة ومكلفة.
إصلاحات محورية، مثل إعادة هيكلة منظومة الحكامة الاقتصادية أو الحد من اقتصاد الامتيازات، بقيت مؤجلة أو مجزأة، لأنها تصطدم بشبكات مصالح قائمة وتوازنات حساسة.
المشكل المركزي، وفق عدد من المتتبعين، يتمثل في غياب آلية تنفيذية عرضانية ذات صلاحيات قوية تقود التنزيل خارج منطق التجزيء القطاعي.
ما حدث عملياً هو أن كل قطاع واصل الاشتغال بمنطقه الخاص، دون قيادة موحدة تضبط الإيقاع وتفرض الالتقائية. وهنا تتحمل الحكومة مسؤولية مباشرة، لأنها تعهدت عند تنصيبها بجعل النموذج مرجعيتها الأساسية، لكنها لم تُنشئ البنية المؤسساتية القادرة على فرض هذا الالتزام على أرض الواقع.
نمو محاسباتي لا يغيّر حياة الناس
على المستوى الاقتصادي، تكشف الأرقام أن النمو المحقق ظل أقرب إلى تحسن في المؤشرات الكلية منه إلى تحول تنموي فعلي.
خلق فرص الشغل بقي ضعيفاً، والإنتاجية لم تشهد القفزة النوعية التي كان يفترض أن تواكب التحول نحو اقتصاد صناعي مكثف لفرص العمل. النتيجة أن البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، استمرت عند مستويات مقلقة، فيما لم ينعكس النمو بشكل ملموس على القدرة الشرائية والدخل.
برامج الإدماج والتشغيل التي أُطلقت خلال الولاية الحكومية الحالية لم تحقق الأثر الموعود، سواء بسبب ضعف الاستهداف أو تعقيد المساطر أو هشاشة النسيج الاقتصادي.
هذا الإخفاق لا يمكن فصله عن بطء الإدارة، وتأخر النصوص التطبيقية، وضعف ثقافة التقييم والمحاسبة، وهي أعطاب بنيوية تتحمل الدولة مسؤولية معالجتها، لا الاكتفاء بتشخيصها.
الدعم العمومي:دون أثر تحويلي
في الوقت الذي أظهرت فيه تجارب دول صاعدة أن الحسم في الإصلاح يرتبط بصرامة التنفيذ وربط الدعم العمومي بمؤشرات دقيقة للتشغيل والتصدير، ظل توزيع التحفيزات في المغرب محدود الأثر التحويلي.
ولم تتشكل بعد قاعدة صناعية متوسطة قوية قادرة على رفع الإنتاجية وخلق فرص واسعة، واستمرت هيمنة المقاولات الصغيرة ضعيفة القيمة المضافة.
هذا الواقع يعكس خللاً في فلسفة التدخل العمومي، حيث لم يُربط الدعم بما يكفي من الالتزامات الواضحة، ولم تُفعّل آليات تقييم صارمة تقيس العائد الاجتماعي للاستثمار العمومي.
وهنا تتقاطع مسؤولية الحكومة مع مسؤولية أجهزة الدولة المكلفة بالتخطيط والتتبع.
سياسياً:من يتحمل كلفة التأخر؟
النقاش لم يعد تقنياً محصوراً في الخبراء، بل تحول إلى مساءلة سياسية صريحة. داخل البرلمان، تصاعدت انتقادات تعتبر أن النموذج جرى اختزاله في مرجعية خطابية، دون تفعيل حقيقي يعكس طموحه الأصلي.
في المقابل، تُظهر تقارير رسمية أن الفوارق المجالية والاجتماعية ما تزال قائمة، وأن الأثر الاجتماعي للإصلاحات دون المستوى المعلن.
المفارقة أن المشروع الذي وُضع لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن يجد نفسه اليوم في قلب سؤال الثقة ذاته، هل تمتلك الحكومة الجرأة لتحويل التوصيات إلى قرارات صعبة؟ وهل تملك الدولة الإرادة لإعادة هيكلة الإدارة وتسريع وتيرة التنفيذ، أم أن منطق التدرج البطيء سيبتلع ما تبقى من الزمن الإصلاحي؟
بين الوثيقة والواقع واختبار الإرادة
خمس سنوات كانت كافية لاختبار جدية الالتزام. الحصيلة تكشف أن النموذج لم يسقط نظرياً، لكنه تعثر عملياً بسبب بطء التنفيذ، وتردد القرار السياسي، واستمرار أعطاب الإدارة.
المسؤولية هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية بامتياز: حكومة لم تُفعّل بما يكفي، ودولة لم تُحدِث القطيعة المؤسسية المطلوبة لضمان الالتقائية والنجاعة.
السؤال اليوم لم يعد هل كانت الرؤية طموحة، بل لماذا لم تتحول إلى واقع؟ وإذا استمر الفارق بين الخطاب والتنفيذ، فإن الخطر لا يكمن فقط في تعثر نموذج، بل في ترسيخ قناعة عامة بأن الاستراتيجيات الكبرى تُولد قوية، ثم تُترك لتبرد في أرشيف الدولة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك