حين تخدَع الدولة ويُهان المواطن وأرقام رسمية تفضح كذبة الإصلاح وتعرّي وهم ربط المسؤولية بالمحاسبة

حين تخدَع الدولة ويُهان المواطن وأرقام رسمية تفضح كذبة الإصلاح وتعرّي وهم ربط المسؤولية بالمحاسبة
ديكريبتاج / الخميس 05 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

رغم الصدمة السياسية والمؤسساتية، التي خلّفها تقرير منارة الحسيمة، وما ترتب عنه من إعفاءات، يتأكد اليوم أن الأزمة أعمق بكثير من أسماء غادرت مناصبها.

فالمغرب، وفق معطيات رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، ما زال عالقًا في حلقة مفرغة عنوانها غياب إدارة حقيقية تربط القرار العمومي بالمحاسبة الفعلية.

إن الأرقام وحدها تكفي لتلخيص حجم الخلل، حيث أكثر من نصف البرامج التي قُدمت أمام الملك لم تُنفذ، وغالبية الاعتمادات المالية المخصصة لها اختفت دون أثر ملموس على أرض الواقع.

59 في المائة لم تُنجز و91 في المائة من المال تبخّر

الأرقام التي كشفها المجلس الأعلى للحسابات لا تترك مجالًا للتأويل، فـ59 في المائة من البرامج الموقعة أمام الملك بقيت حبرًا على ورق، و91 في المائة من الغلاف المالي المعلن تبخّر بين المكاتب والصفقات والتلاعبات.

فهذه ليست مجرد اختلالات تقنية، بل أزمة ثقة تضرب في العمق علاقة الدولة بمواطنيها، وتطرح سؤالًا سياسيًا خطيرًا حول من يحاسب من، ومن يحمي المال العام.

مشاريع بمئات المليارات ونهاية فاسدة بلا حساب

في حالات أخرى وكثيرة، لم يكن الفشل في التنفيذ هو المشكلة فقط، بل في ما حدث بعده، من فضاعات وكوارث

فهناك، مشاريع أُنجزت شكليًا، استهلكت مئات المليارات، ثم تحولت إلى فضاءات مهجورة أو بؤر للفساد...سوق الصالحين بمدينة سلا مثال صارخ، حيث أزيد من 42 مليار سنتيم صُرفت، لتتحول المحلات إلى غنيمة انتخابية ووزيعة سياسية، دون أن يُسأل أحد عن المآل أو المسؤولية.

من المشاريع المعطلة إلى الشارع وكيف انفجر الاحتقان؟

حراك الريف لم يولد من فراغ، بل انفجر من رحم مطالب اجتماعية بسيطة ظلت عالقة لسنوات رغم توفر الاعتمادات والوعود.

مشاريع صحية، تعليمية وبنيات تحتية بقيت رهينة التقارير المؤرشفة، إلى أن خرج الغضب إلى الشارع.

والمفارقة الغريبة، أن المسؤولين لم يتحركوا إلا بعد الانفجار، بينما كانت تقارير التعثر مركونة في الأدراج.

الهامش يغلي وجيل جديد لا يبتلع الأكاذيب

اليوم، تتكرر الاحتجاجات في مدن الهامش للسبب ذاته، التلاعب بمشاريع مهيكلة قادرة على تغيير حياة الناس.

فالصحة، التعليم، الطرق، والمرافق الأساسية لم تعد مطالب فئوية، بل حقوق بديهية يتبناها جيل جديد أكثر وعيًا وجرأة، جيل لم يعد يصدق خطابات الإنجاز ولا يقتنع بتبريرات الفشل.

تقارير بلا أسنان أو حين تتحول الرقابة إلى طقس سنوي

رغم أهمية تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وما تتطلبه من مجهود وموارد، فإنها غالبًا ما تنتهي إلى جلسات استماع شكلية، دون أن تُترجم إلى ملفات قضائية أو محاسبة حقيقية.

حيث تتحول الرقابة إلى روتين سنوي، وتبقى منظومة الفساد في مأمن، كأن الأرقام الصادمة لا تعني أحدًا.

الكذب على الملك:مقدمة للاستهانة بالمواطن

حين تكشف الأرقام أن 51 في المائة من المشاريع المقدمة أمام الملك لم تُنجز، فإن الأمر يتجاوز سوء التدبير إلى مستوى خطير من التضليل.

ومن يكذب في التقارير الكبرى، لن يتردد في تجاهل حقوق المواطنين ما دامت المحاسبة غائبة، والجزاء منعدم.

مدن تُجمَّل بالجير وواقع يُخفى بالصّباغة

التلاعب لا يبدأ عند فشل المشاريع، بل قبله. مدن تُطلى بالجير قبل أي زيارة رسمية، حفر تُغطى مؤقتًا، نخيل وعشب صناعي يُزرع على عجل، متسولون يُطردون، وروائح كريهة تُخفى لساعات.

ترميمات تجميلية مكلفة، ينتهي مفعولها خلال يوم واحد، لكنها تستنزف المال العام فقط ليبدو المشهد “لائقًا” أمام الملك، ولو كان زائفًا.

سلطة منشغلة بالصفقات ومدن غارقة في الفوضى

جوهر الأزمة الحقيقية، حسب المختصين، ليس فقط في قلة الموارد، بل في غياب الإحساس بالمسؤولية.

فهناك مجالس منتخبة غارقة في صراعات عبثية، تبحث عن نصيبها من “مرق الصفقات”، وسلطات ترابية تكتفي بالظهور في الأنشطة الرسمية، بينما تعيش مدن كاملة على إيقاع الفوضى والإهمال طيلة السنة.

الثقة لا تُستعاد بالاستعراض بل بالمحاسبة

استرجاع ثقة المغاربة لا يحتاج شعارات كبرى ولا مسرحيات ظرفية، بل يتطلب حدًا أدنى من الصدق والاحترام.

فالمغاربة، لم يعودوا سُذّجًا، وذكاؤهم لم يعد يقبل الترقيع. الرسالة اليوم واضحة وبلا تزييف، ومفادها: كفى استخفافًا، فالجميع يعلم أن الحقيقة لم تعد قابلة للإخفاء.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك